فهؤلاء الطواغيت ليسوا من المسلمين كما تقرر؛ لا من خواصهم ولا من أدناهم ولا قلامة ظفر؛ بل هم من جملة من يتولونهم من الكفار الحربيين كما أخبر تعالى في قوله: (وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ) ؛ فإنه منهم وليس من المسلمين! وعليه فلا تلزمنا عهودهم ومواثيقهم ولا أمانهم للكفار ..
قال ابن قدامة في المغني (8/ 398) : (ولا يصح أمان كافر وإن كان ذميا لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"ذمة المسلمين واحدة يسعى بها أدناهم"فجعل الذمة للمسلمين فلا تحصل لغيرهم، ولأنه متهم على الإسلام وأهله فأشبه الحربي)
وتأمل أن هذا في الكافر الذمي غير الحربي فهو في الحربي أولى، وقد علمت أن هؤلاء الطواغيت الحاكمين لبلاد المسلمين كفار محاربون ممتنعون بشوكة عن الشريعة وعن تحكيمها.
وقد قال تعالى: (وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا) (النساء: من الآية141) .
فالحاكم الكافر ليس له سبيل على المسلمين والموحدين ولا يجوز أن يعطى الولاية عليهم، وإذا ما تولاها ولاية جبرية لا يصيّر ذلك قراراته وأوامره واتفاقاته ومعاهداته شرعية ملزمة للمسلمين ولا يقول بخلاف ذلك عالم بدين الإسلام ..
ومن لوازم الكفر بالطاغوت البراءة من تشريعاته واتفاقاته ومعاهداته.
وليس لكافر أن يلزم المسلمين بعهوده ومواثيقه. ولو كان ذلك لازما للزمت المجاهدين عهود قرضاي مع أوليائه الكفار وللزمت المسلمين في روسيا عهود ومواثيق الشيوعيين مع أعداء المسلمين وللزمت المسلمين عهود ومواثيق ومعاهدات المحتلين من المستعمرين لبلادهم أيام الاستعمار الغربي وكل أحد يعلم أن المجاهدين لم يكونوا يلتزموها وكذلك الشأن في عهود ومواثيق وقوانين الحكام المرتدين المحاربين للدين التي أقرتها مجالسهم وبرلماناتهم الشركية. فإنها لا تلزم المسلمين الكافرين بهم وببرلماناتهم وقوانينهم الكفرية.
بل إن الحاكم المسلم الذي يحكم بما أنزل الله والذي له الولاية على المسلمين لا يلزم باتفاقاته ومعاهداته من كان ليس تحت ولايته السياسية من المسلمين فكيف بالحكام الكفرة واتفاقاتهم؟
ويدل على هذا دلالة صريحة ما رواه البخاري في كتاب الشروط من صحيحه في باب (الشروط في الجهاد والمصالحة مع أهل الحرب) ..
ومحل الشاهد منه قصة أبي بصير رضي الله عنه وما فعله لما رده رسول الله صلى الله عليه وسلم مع رسولي قريش للشرط الذي شرطته عليه قريش في صلح الحديبية، فقتل أبو بصير أحد الرجلين ثم أتى سيف البحر فجعل لا يخرج من قريش رجل قد أسلم إلا لحق بأبي بصير، حتى اجتمعت منهم عصابة، فما يسمعون بعير خرجت لقريش إلى الشام إلا اعترضوا لها فقتلوهم وأخذوا أموالهم ..
ووجه الدلالة منه أن أبا بصير لم يلتزم بالعهد الذي كان بين النبي صلى الله عليه وسلم ولا لزمه أمان النبي لهم ولرسلهم؛ ولو لزمه شيء من ذلك لطالبت قريش النبي صلى الله عليه وسلم بدية الرجل العامري الذي قتله أبو بصير؛ ولغرمته ما كان يأخذ من تجاراتهم وقوافلهم بعد ذلك؛ ولكنهم لم يفعلوا شيئا من ذلك لأن أبا بصير لم يكن داخلا تحت ولاية الرسول السياسية حين عقد العهد مع قريش.
قال الحافظ ابن حجر في الفتح (5/ 351) : (وفي قصة أبي بصير من الفوائد جواز قتل المشرك المعتدي غيلة، ولا يعد ما وقع من أبي بصير غدرا لأنه لم يكن في جملة من دخل في المعاقدة التي بين النبي صلى الله عليه وسلم وبين قريش؛ لأنه إذ ذاك كان محبوسا بمكة .. ) .
قال: (وفيه أن من فعل مثل فعل أبي بصير لم يكن عليه قود ولا دية .. ) (واستنبط منه بعض المتأخرين أن بعض ملوك المسلمين مثلا لو هادن بعض ملوك الشرك فغزاهم ملك آخر من المسلمين فقتلهم وغنم أموالهم جاز له ذلك، لأن عهد الذي هادنهم لم يتناول من لم يهادنهم .. )
وهذا الذي قاله ذكره ابن القيم عن شيخ الإسلام ابن تيمية حيث قال في الفوائد الفقهية لصلح الحديبية في زاد المعاد: (ومنها: أن المعاهدين إذا عاهدوا الإمام فخرجت منهم طائفة فحاربتهم وغنمت أموالهم ولم يتحيزوا إلى الإمام لم يجب على الإمام دفعهم عنهم ومنعهم منهم، وسواءً دخلوا في عقد الإمام وعهده ودينه، أو لم يدخلوا. والعهد الذي كان بين النبي صلى الله عليه وسلم وبين المشركين لم يكن عهدًا بين أبي بصير وأصحابه وبينهم. وعلى هذا فإذا كان بين بعض ملوك