العالم في سياسته للحق، ومعرفته للصواب مع عالم الناس له طرائق ومراتب، لا تكون على نسق واحد، والإنسان يعرف الصواب إن التجأ إلى الله، وتجرد في أبواب الحق، وصدق مع نفسه، وصدق مع الله، وعرف الدين ومراتبه، وعرف أحكام الشريعة وتضرع لله، وأكثر من العبادة، وقلل من الدنيا، ولم يلتجئ إليها، فالدنيا وتلبس العالم بها باب دقيق لا يحسنه إلا من وفقه الله جل وعلا، ومن نظر إلى النصوص من كلام الله جل وعلا وجد أن الله جل وعلا لم يقدح ولم يذم الدنيا لأجل الدنيا، وإنما يذم الدنيا إذا كانت سببًا في زوال حظ الآخرة، والأصل في ذلك أن حظ الدنيا يؤثر على حظ الآخرة إلا عند الخلص من خلق الله ممن يدركون مواضع النقص والقصور في الدين وفي الدنيا، لهذا وجب على العالم ألا يأكل بعلمه شيئًا من الدنيا، وأن يتعامل مع الناس بذاته ونفسه، وألا يتعامل بعلمه لا في البيع ولا في الشراء، ونحو ذلك، وأن العالم كلما تنزل في هذا النوع فتعامل مع الناس بعلمه، فقال: أنا العالم الفلاني، أو الموظف الفلاني، فإن هذا يورث شيئًا في قلبه لا يدركه وهو أن الناس يقدرونه لأجل هذا الأمر، فيرغب من ذلك حظوة دائمة عند كل تعامل ولو في بيع وشراء، فتجد الإنسان إذا تعامل بالبيع أحب أن يماكس، وأن ينزل له في سعر البيع؛ لأنه العالم الفلاني، فهذا شراء بالعلم ونقصان في حقه، لهذا وجب على العالم المتصدر للناس أن يتنبه لهذا الجانب، وأن يعتني به عناية تامة، فينبغي له في هذا أن يتعامل مع من لا يعرفه في البيع والشراء، حتى لا يؤثر ذلك على علمه.