(( سئل عن قوم داوموا على الرياضة، فرأوا أنهم قد تجوهروا فقالوا: لا نبالي الآن ما عملنا، وإنما الأوامر والنواهي رسوم العوام، ولو تجوهروا لسقطت عنهم، وحاصل النبوة يرجع إلى الحكمة والمصلحة، والمراد منها ضبط العوام، ولسنا نحن من العوام، فندخل في حجر التكليف - فهل هذا القول كفر من قائله؟ أم يبدع من غير تكفير؟ ) ).
أجاب رحمه الله: (( لا ريب عند أهل العلم والإيمان أن هذا القول من أعظم الكفر وأغلظه، وهو شر من قول اليهود والنصارى، فإن اليهودي والنصراني آمن ببعض الكتاب وكفر ببعض ) ). (456)
وقال رحمه الله أيضًا: (( إن هؤلاء خارجون في هذه الحال عن جميع الكتب والشرائع والملل، لا يلتزمون لله أمرًا ولا نهيًا بحال، بل هؤلاء شر من المشركين المستمسكين ببقايا من الملل ) ). (457)
وسئل رحمه الله عمن يقول: (( إن غاية التحقيق وكمال الطريق، ترك التكليف بحيث أنه إذا ألزم بالصلاة يقوم ويقول: خرجنا من الحضرة، ووقفنا بالباب ) )فأجاب رحمه الله، بقوله:
(( أما من جعل كمال التحقيق الخروج من التكليف فهذا مذهب الملاحدة من القرامطة والباطنية، ومن شابههم من الملاحدة المنتسبين إلى علم أو زهد، أو تصوف أو تزهد. يقول أحدهم، (( إن العبد يعمل حتى تحصل له المعرفة، فإذا حصلت زال عنه التكليف، ومن قال هذا: فإنه كافر مرتد باتفاق أئمة الإسلام، فإنهم متفقون على أن الأمر والنهي جاء على كل بالغ عاقل، إلى أن يموت. قال تعالى: { وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ } [الحجر:99] واليقين هنا ما بعد الموت... ) ). (458)
هذا ما توصل إليه المتصوفة من انحراف وتبديل لدين الله، بينما كان الأولون منهم يقيدون زهدهم وتصوفهم بالكتاب والسنة.
قال الجنيد: (( علمنا هذا مقيد بالكتاب والسنة، فمن لم يقرأ القرآن، ولم يكتب الحديث، لم يصح له أن يتكلم في علمنا هذا ) ).
وقال سهل التستري: (( كل وجد لا يشهد له الكتاب والسنة فهو باطل ) ). (459)