(( وأيضًا فقد جاء نفر من اليهود إلى النبي فقالوا: نشهد أنك رسول، ولم يكونوا مسلمين بذلك لأنهم قالوا ذلك على سبيل الإخبار عما في نفوسهم أن نعلم ونجزم أنك رسول الله. قال: فلمَ لا تتبعوني؟ قالوا: نخاف من اليهود، فعُلم أن مجرد العلم والإخبار عنه(أي عن العلم) ليس بإيمان، حتى يتكلم بالإيمان على وجه الإنشاء المتضمن للالتزام والانقياد، مع تضمن ذلك الإخبار عما في أنفسهم )). وقال أيضًا: (( وقد اتفق المسلمون على أنه من لم يأت بالشهادتين، فهو كافر ) ). (118)
(( وأن من صدق بقلبه، ولم يتكلم بلسانه، فإنه لا يعلق به شيء من أحكام الإيمان، لا في الدنيا ولا في الآخرة... فعدم الشهادتين مع القدرة، مستلزم انتفاء الإيمان القلبي التام ) ). (119)
ومن هنا يتبين لنا أن قول لا إله إلا الله هو إنشاء للالتزام بقول القلب وعمله وتحقيقهما... وكذلك كان أجهل الناس بالتوحيد من يظن أن المطلوب بقول لا إله إلا الله هو التلفظ بها باللسان فقط.
والحقيقة أن أعمال الإنسان الظاهرة على اللسان أو الجوارح، لابد أن تكون تعبيرًا عما في القلب وتحقيقًا له، ومظهرًا لإرادته، وإلا كان صاحبه منافقًا النفاق الشرعي أو العرفي... ولذلك يتفاوت قائلو هذه الكلمة تفاوتًا عظيمًا بحسب تفاوت ما في قلوبهم من التوحيد. (120)
فكل المسلمين يقولون: لا إله إلا الله، ولكن التفاوت بينهم كبير، حسب ما في قلوبهم.
يقول ابن القيم رحمه الله: (( اعلم أن أشعة لا إله إلا الله تبدد من ضباب الذنوب وغيومها بقدر قوة ذلك الشعاع وضعفه، فلها نور، وتفاوت أهلها في ذلك النور - قوة وضعفًا - لا يحصيه إلا الله تعالى... ولهذا تظهر الأنوار يوم القيامة بأيمانهم وبين أيديهم، على هذا المقدار، بحسب ما في قلوبهم من نور هذه الكلمة، علمًا وعملًا ومعرفة وحالًا... ) ) (121)