وليس التوحيد مجرد إقرار العبد بأنه لا خالق إلا الله، وأن الله رب كل شيء ومليكه، كما كان عبّاد الأصنام مقرّين بذلك وهم مشركون، بل إن التوحيد يتضمن - من محبة الله والخضوع له، والذل له، وكمال الانقياد لطاعته، وإخلاص العبادة له.. بجميع الأقوال والأعمال - بما يحول بين صاحبه وبين الأسباب الداعية إلى المعاصي والإصرار عليها، ومن عرف هذا عرف قول النبي صلى الله عليه وسلم: (( إن الله حرم على النار من قال: لا إله إلا الله، يبتغي بذلك وجه الله ) ).
وقوله صلى الله عليه وسلم: (( لا يدخل النار من قال لا إله إلا الله ) ).
وما جاء في هذا الضرب من الأحاديث التي أشكلت على كثير من الناس، وأوقعتهم في تأويلات مستكرهة بعيدًا عن تحقيق مدلولها، وإلا فإن المنافقين يقولون: (( لا إله إلا الله ) )بألسنتهم وهم في الدرك الأسفل من النار تحت الجاحدين لها، فلابد من قول القلب وقول اللسان.
فمن قالها بلسانه غافلًا عن معناها، معرضًا عن تدبرها، ولم يواطئ قلبه لسانه، ولا عرف قدرها وحقيقتها، راجيًا مع ذلك ثوابها حطت من خطاياه بحسب ما في قلبه، فإن الأعمال لا تتفاضل بصورها وعددها وإنما تتفاضل بتفاضل ما في القلوب، فتكون صورة العملين واحدة، وبينهما في التفاضل كما بين السماء والأرض، والرجلان يكون مقامهما في الصف واحدًا وبين صلاتيهما كما بين السماء والأرض. (122)
والقلب ليس ملك الأعضاء فحسب بل هو مصدر توجيهها، وأساس خيرها أو شرها قال صلى الله عليه وسلم: (( ألا إن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب ) ). ويقول أيضًا صلى الله عليه وسلم كما روى الإمام أحمد في مسنده: (( الإسلام علانية والإيمان في القلب، وأشار إلى صدره ثلاث مرات قائلًا: التقوى ها هنا، التقوى ها هنا ) ). (123)