فهرس الكتاب

الصفحة 46 من 252

وهؤلاء أهملوا أعمال القلوب كلية جاعلين الإيمان قضية عقلية بحتة، ولم يثبتوا من أعمال القلب سوى التصديق الخبري الذي هو في الحقيقة أشبه بالعمل الذهني الخالص - وإن نسبوه للقلب - وأصل هذا المذهب هو ذلك المبتدع الضال (الجهم بن صفوان) .

ومن المؤسف أن أكثرية متكلمي الأمة، اعتنقوا هذا المذهب مع اتفاق أئمة السلف المعاصرين لنشأته على تكفير جهم وأصحابه، واعتبار الجهمية فرقة خارجة عن فرق أهل القبلة الثلاث والسبعين. (127)

أما غلاة المتصوفة:

فقد كان ضلالهم في أعمال القلوب من نوع آخر، إذ أن القوم مع اهتمامهم الشديد بها، وتسميتها أحوالًا ومقامات، ورغم تفصيل دقائقها فإن الابتداع أوقعهم في تناقضات أخرجت طائفة منهم عن الدين كله.

فمن ذلك ضلالهم في (الرضا) الجامع للانقياد والقبول، فقد خرجوا فيه عما كان عليه السلف إلى معنى فلسفي وثني، هو الرضا المطلق بكل ما في الوجود، لأنه من إرادة الله وقدره، حتى اعتقدوا وجوب الرضا بالكفر والفسوق والعصيان، ووقعوا في الجبر المحض تحت ستار ما أسموه (( شهود الحقيقة الكونية، والاستبصار بسر الله في القدر ) )!!

واحتقروا الرجاء واعتبروه أضعف مقامات المريدين، وغلوا في المحبة حتى أسقطوا ما يقابلها من الخوف، وجعلوا همهم - بزعمهم - عبادة الله لذاته، لا طمعًا في جنته، ولا خوفًا من ناره، وجعلوا ذروة المحبة (( الفناء في المحبوب ) )ولهذا قال فيهم السلف: (( من عبد الله بالحب وحده فهو زنديق ) )، وأفضى بهم هذا إلى اعتقاد الحلول والوحدة عياذًا بالله. (128)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت