عندما مهد الفكر الإرجائي لهم الطريق، وجرت بعد ذلك ألفاظ الاستهزاء على ألسنة العوام فأصبحت في أحيان كثيرة كالسلام.. ماداموا لا يخشون عقابًا، ويجدون من تأويل المرجئة وفتاواهم اللين والاستخذاء.
(( ومن ثم عم البلاء حتى تعدى مجال الاستهزاء إلى مجال الكفر الجاد الجلي الذي كان أمرًا محظورًا - ولو عرفًا وعادة - فنسي الناس تكفير الباطنية كالقرامطة والدروز وأمثالهم، وغاب عنهم تمامًا كفر الطواغيت، كطواغيت الدجل والخرافة والسحر، أما طواغيت الحكم والتشريع فقد نسخوا شريعة الله جهارًا نهارًا وحكموا شرائع الطاغوت في الدماء والأعراض والأموال، وألزموا الناس في مناهجهم ووسائل تربيتهم لموالاة الكفار، بالموبقات ضروبًا وألوانًا، وسخروا من الحدود والحجاب وتعدد الزوجات، وأحكام المواريث، والعبادات والأخلاق..
وانضم أغلب الطبقة المثقفة - كما يسمونها - إلى الأحزاب الكفرية والمنظمات الإلحادية، والمذاهب الأدبية التي تسير الكفر بالشعر، وسقط حد الردة إلا من كتب الفقه الموروثة، بل ظهر في صفوف المنتسبين إلى الدعوة الإسلامية اتجاه جديد ينكر حد الردة ضمن ما ينكر من حدود الإسلام وأصوله. ومر على الأمة الإسلامية أجيال بل قرون لم تسمع فيها أن حد الردة أقيم على زنديق مجاهر أو ملحد مكابر، في حين أن الآلاف من الأرواح تزهق لأسباب سياسية أو خلافات شخصية )) . (156)
لقد حصر المرجئة الكفر في تكذيب القلب فقط فهانت المقدسات، وتجرأ السفهاء حتى أنهم لم يعتبروا أعمال الكفر الصريحة كالسجود للصنم، وإهانة المصحف وسب الرسول صلى الله عليه وسلم إلا دلالات على انتفاء تصديق القلب وليس مكفرة بذاتها.