وقد ذكرنا في المبحث الثالث أن أثر الفرق القديمة على الغلاة المعاصرين جاء تاليًا ولاحقًا، وقد أثرت تيارات الغلو، وأيدت حججهم.
ويتبين لنا غلو الذين يكفرون بالمعاصي من النصوص الكثيرة وآراء علماء السلف.
قال تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ} [النساء:48] .
وقد بوّب الإمام البخاري في صحيحه فقال: (( باب المعاصي من أمر الجاهلية، ولا يكفر صاحبها بارتكابها إلا الشرك، لقوله صلى الله عليه وسلم: (( إنك امرؤ فيك جاهلية ) ) (221) لأحد أصحابه وقد جاء في شرح الطحاوية قول الإمام الطحاوي: (( ولا نكفر أحدًا من أهل القبلة بذنب ما لم يستحله، ولا نقول: لا يضر مع الإيمان ذنب لمن عمله ) ) (222) فالاستحلال شرط أساسي لتكفير أهل المعاصي.
وفصل الإمام النووي رحمه الله هذا الأمر فقال: (( اعلم أن مذهب أهل الحق، أنه لا يكفر أحد من أهل القبلة بذنب، ولا يكفر أهل الأهواء والبدع وأن مَنْ جحد ما يعلم من دين الإسلام ضرورة حكم بردته وكفره، إلا أن يكون حديث عهد بالإسلام، أو نشأ ببادية بعيدة أو نحوه، فإن استمر بعد أن يُعرّف حكم بردته ) ). (223)
(( وإذا قلنا إن أهل السنة متفقون على أنه لا يكفر بالذنب فإنما نريد به المعاصي كالزنا وشرب الخمور، وأما المباني - يعني أركان الإسلام الأربعة بعد الشهادتين - ففي تكفير تاركها نزاع مشهور ) ). (224)
وطبيعي أن هذا لا يعني التهوين من خطورة الإصرار على المعاصي، إذ أن المعاصي بريد الكفر، ويخشى على صاحبها من سوء الخاتمة.
قال صلى الله عليه وسلم: (( إياكم ومحقرات الذنوب، فإنهن يجتمعن على الرجل حتى يهلكنه ) ). (225)
وقال صلى الله عليه وسلم: