الحالة الرابعة: أن يقوم بالمعين ما هو كفر قطعًا، لكن يمنع من تكفيره الاحتمال في قصده: إن من لم تبلغه الحجة الرسالية ببعض الأمور قد يكذب بها أو يستحلها فلا يكفر لأنه لم يتحقق فيه الرد للشريعة - فمجرد وصف الفعل أنه تكذيب أو استحلال أو كفر لا يعني إلحاق وصف الكفر بالمعين، حتى تقوم عليه الحجة فيما خالف فيه، فإن أصر بعد ذلك حكم بكفره لنقضه لمبدأ الالتزام بالشريعة.
ويدل على ذلك ما رواه حذيفة ? عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (( كان رجل ممن كان قبلكم يسيء الظن بعمله، فقال لأهله: إذا أنا مت فخذوني فذروني في البحر في يوم صائف ففعلوا به، فجمعه الله ثم قال: ما حملك على الذي صنعت؟ قال ما حملني عليه إلا مخافتك فغفر له ) ). (232)
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: (( فهذا رجل شك في قدرة الله، وفي إعادته إذا ذُري، بل اعتقد أنه لا يعاد، وهذا كفر باتفاق المسلمين، لكنه كان جاهلًا لا يعلم ذلك، وكان مؤمنًا يخاف الله أن يعاقبه، فغفر له بذلك، والمتأول من أهل الاجتهاد والحريص على متابعة الرسول أولى بالمغفرة من ذلك ) ). (233)
ومما يدخل تحت هذه القاعدة وهي الإعذار بالجهل والتأول فيما لا يعلم، حادثة قدامة بن مظعون ?، عندما شرب الخمر مستحلًا لها لشبهة عرضت له، وهي أن التحريم عام خصصته آية المائدة { لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا } [المائدة:92] .
واتفق عمر والصحابة على أن قدامة وأصحابه إذا اعترفوا بالتحريم جلدوا، وإن أصروا على استحلالها قتلوا )) (234) وقد جلد قدامة ?.
وعلى هذا كان عمل السلف رضوان الله عليهم، في التفريق بين التكفير المطلق، وتكفير المعين. فلم يكفر الإمام أحمد رحمه الله كل من دعا إلى القول بخلق القرآن بعينه، مع قوله إن القول بخلق القرآن كفر.
ولم يكفر الإمام ابن تيمية الذين جادلوه من الجهمية في عصره مع أن قولهم كفر. (235)