وأما القسم الثاني: كفر العمل وهو الذي لا يخرج من الملة، وذلك أن تحمل الحاكم شهوته وهواه على الحكم في القضية بغير ما أنزل الله مع اعتقاده أن حكم الله ورسوله هو الحق، واعترافه على نفسه بالخطأ ومجانبة الهوى، فهذا وإن لم يخرج عن الملة، فإنه معصية عظمى أكبر من الكبائر كالربا وشرب الخمر... (243)
فالحكم بغير ما أنزل الله من أشد الأسباب التي أدت إلى ردة فعل عنيفة، أدانت كل من يخرج عن حكم الشريعة وحكمت بكفره، ثم جاءت أحكام أخرى تالية.. تبعًا لهذه الظاهرة.
إن الدعوة إلى تحكيم شرع الله واجب على كل مسلم، وقد بوّب العلماء في قضية الخروج على الحاكم الكافر: لأن إمامته لا تصح ابتداء. قال ابن المنذر: (( أجمع كل من يحفظ عنه من أهل العلم أن الكافر لا ولاية له على مسلم بحال ) ). (244)
وقال ابن حجر (( إنه ينعزل بالكفر إجماعًا، فيجب على كل مسلم في ذلك، فمن قوي على ذلك فله الثواب، ومن داهن فعليه الإثم، ومن عجز وجبت عليه الهجرة عن تلك الأرض ) ). (245)
إلا أن ذلك يتولاه أهل الحل والعقد، لأن الخروج له خطورته، وقد سبب فتنًا كثيرة في تاريخ هذه الأمة.
وعلى ضوء ما تقدم يتبين لنا أن أصحاب الغلو المعاصر وقعوا في الخلل في موضعين:
أ- إطلاق القول في تكفير الحكام دون نظر للتفصيل الذي أورده العلماء.
ب- تكفير المعين منهم، دون نظر لما قد يكون عليه من جهل أو إكراه أو إيمان بحكم الله عز وجل، مع وجود بعض الأعذار التي تنقل حكم هذا الفعل من الكفر المخرج عن الملة إلى الكفر غير المخرج عن الملة. (246)
ويتبين لنا حدود الغلو في هذه المسألة فيما يأتي:
1-الخارج على الإمام العادل يعتبر غاليًا.
2-الخارج على الإمام الكافر لا يعد غاليًا.
إلا أن يكون وحيدًا أو معه آحاد من الناس، فيعتبرون مشددين على أنفسهم إذ حملوها ما لا تطيق، والخروج هنا ليس غلوًا من حيث الخروج نفسه، وإثمًا من جهة كيفيته ووقته، فهو غلو في منهج العمل. (247)