يكن له من قبل -ولن يكون له من بعد- أي ميل للدنيا، وهذه التربية الإلهية عند توجيه خطابها للمستمع [1] .
وقوله -تعالى-: {قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ (33) وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلَى مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا وَلَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ وَلَقَدْ جَاءَكَ مِنْ نَبَإِ الْمُرْسَلِينَ (34) وَإِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْرَاضُهُمْ فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِيَ نَفَقًا فِي الْأَرْضِ أَوْ سُلَّمًا فِي السَّمَاءِ فَتَأْتِيَهُمْ بِآيَةٍ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْجَاهِلِينَ} [2] .
محل الشاهد: {وَإِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْرَاضُهُمْ فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِيَ نَفَقًا فِي الْأَرْضِ أَوْ سُلَّمًا فِي السَّمَاءِ فَتَأْتِيَهُمْ بِآيَةٍ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْجَاهِلِينَ} ، كان قبلك من الرسل إذ كذبهم قومهم، واقتد بهم في صبرهم على ما لَقُوا من قومهم [3] .
قال الشوكاني:"قوله: وإن كان كبر عليك إعراضهم كان النبي -صلى الله عليه وسلم- يكبر عليه إعراض قومه ويتعاظمه ويحزن له فبين له الله -سبحانه- أن هذا الذي وقع منهم من توليهم عن الإجابة له، والإعراض عما دعا إليه هو كائن لا محالة، لما سبق في علم الله عز وجل، وليس في استطاعته وقدرته إصلاحهم وإجابتهم قبل أن يأذن الله بذلك، ثم علق ذلك بما هو محال، فقال: فإن استطعت أن تبتغي نفقا في الأرض فتأتيهم بآية منه أو سلما في السماء فتأتيهم بآية منها فافعل، ولكنك لا تستطيع ذلك، فدع الحزن {فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ} [4] ، لأنك {لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ} [5] ."
(1) المصدر السابق، ص: 84.
(2) سورة الأنعام، الآية: 33 - 35.
(3) الطبري، جامع البيان في تأويل القرآن، 11/ 336 - 337.
(4) سورة فاطر، الآية: 8.
(5) سورة الغاشية، الآية: 22.