هم خطرات حديث النفس، كما حكاه البغوي عن بعض أهل التحقيق، مستدلا بما روي عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:"يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: إِذَا هَمّ عَبْدِي بِحَسَنَةٍ فَاكْتُبُوهَا لَهُ حَسَنَةً، فَإِنَّ عَمِلَهَا فَاكْتُبُوهَا لَهُ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا، وَإِنْ هَمَّ بِسَيِّئَةٍ فَلَمْ يَعْمَلْهَا فَاكْتُبُوهَا حَسَنَةً، فَإِنَّمَا تَرَكَهَا مِنْ جَرّائي، فَإِنْ عَمَلِهَا فَاكْتُبُوهَا بِمِثْلِهَا" [1] . وفي هذا الحديث بيان لمعنى كلمة (همّ) وهو نية الفعل وإن لم يفعل. وقيل: هم بضربها. وقيل: تمناها زوجة.
ولقد عاتب الله نبيه يوسف بهذا الهم الصادر منه لولا أن من الله عليه بالدفع عن الوقوع في المعصية؛ فقال -تعالى-: {لَوْلَا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ} ، لذلك جعله في السجن بدعاء منه -عليه السلام-.
وهكذا لما دعا ربه وفضل السجن بنفسه مما يدعونه إليه فقال: {رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجَاهِلِينَ} [2] إجاب له ذلك، إلا أنه عاتبه على هذا الدعاء فلماذا لم يسأل التخلص من شرهم، دون الوقوع في مصيبة السجن، ولو سأل الله العافية لعافه من كيدهن مهما كنَّ؛ ولكان استجاب له بما دعاه به، {فَاسْتَجَابَ لَهُ رَبُّهُ فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (34) ثُمَّ بَدَا لَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا رَأَوُا الْآيَاتِ لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّى حِينٍ (35) وَدَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيَانِ} [3] ، فلما مكث في السجن وتيقن بخروج صاحبه الذي أفتاه، طلب منه أن يتوسط له عند الملك، فقال: وَقَالَ لِلَّذِي ظَنَّ أَنَّهُ نَاجٍ مِنْهُمَا اذْكُرْنِي عِنْدَ
(1) أخرجه مسلم، كتاب الإيمان، باب إذا هم العبد بحسنة كتبت، وإذا هم بسيئة لم تكتب،1/ 117، رقم الحديث: 128.
(2) سورة يوسف، الآية: 33.
(3) سورة يوسف، الآية: 34 - 36.