محل الشاهد من هذه الآيات: قوله -عز وجل-: {قَالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إِلَى نِعَاجِهِ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْخُلَطَاءِ لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَقَلِيلٌ مَا هُمْ وَظَنَّ دَاوُودُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ (24) فَغَفَرْنَا لَهُ ذَلِكَ وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآبٍ} [1] .
توجيه الآيات: فإن هذه الجملة من الآيات ذكرت قصة من شأن داوود مع ربه تعالى، وما كان بين أخوين من الخصومة في المال حيث طلب أحد الخصمين من أخيه أن يعطيه نعجته، ولما رأى منه تمنعا اشتد عليه بالكلام وهدده، فأظهر الخصم المتشكي أنه يحافظ على أواصر القرابة فشكاه إلى الملك ليصده عن معاملة أخيه معاملة الجفاء والتطاول ليأخذ نعجته عن غير طيب نفس. وبهذا يتبين أن موضع هذا التحاكم طلب الإنصاف في معاملة القرابة لئلا يفضي الخلاف بينهم إلى التواثب فتنقطع أواصر المبرة والرحمة بينهم، وقد علم داود من تساوقهما للخصومة ومن سكوت أحد الخصمين أنهما متقاربان على ما وصفه الحاكي منهما، أو كان المدعى عليه قد اعترف، فحكم داود بأن سؤال الأخ أخاه نعجته ظلم لأن السائل في غنى عنها والمسئول ليس له غيرها فرغبة السائل فيما بيد أخيه من فرط الحرص على المال واجتلاب النفع للنفس بدون اكتراث بنفع الآخر. وهذا ليس من شأن التحاب بين الأخوين والإنصاف منهما فهو ظلم وما كان من الحق أن يسأله ذلك أعطاه أو منعه، ولأنه تطاول عليه في الخطاب ولامه على عدم سماح نفسه بالنعجة، وهذا ظلم أيضا، ثم قال لهما: {وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْخُلَطَاءِ لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ} إشارة إلى أن بغي أحد المتعاشرين على عشيره متفش بين الناس غير الصالحين من المؤمنين، وأنه قال هذا تأسفًا
(1) سورة ص، الآية: 24 - 25.