فهرس الكتاب

الصفحة 60 من 118

لحالهما، وأنه أراد تسلية المظلوم عما جرى عليه من خليطه، وأن له أسوة في أكثر الخلطاء.

وعلم داود بعد انتهاء الخصومة أن الله جعلها له فتنة ليشعره بحال فعلته مع (أوريا) وقد أشعره بذلك ما دله عليه انصراف الخصمين بصورة غير معتادة، فعلم أنهما ملكان وأن الخصومة صورية فعلم أن الله بعثهما إليه عتابا له على متابعة نفسه زوجة (أوريا) وطلبه التنازل عنها. وعلم أن ما صدر منه فتنة من النفس. وإنما علم ذلك بعد أن أحس من نفسه كراهية مثلها مما صوره له الخصمان. [1]

وقد اختلف المفسرون في ذنب داوود الذي استغفر له وتاب عنه على أقوال: الأول أنه نظر إلى امرأة الرجل التي أراد أن تكون زوجة له، كذا قال سعيد بن جبير وغيره. قال الزجاج: ولم يتعمد داود النظر إلى المرأة لكنه عاود النظر إليها، وصارت الأولى له والثانية عليه. القول الثاني أنه أرسل زوجها في جملة الغزاة. الثالث أنه نوى إن مات زوجها أن يتزوجها. الرابع أن أوريا كان خطب تلك المرأة فلما غاب خطبها داود فزوجت منه لجلالته فاغتم لذلك أوريا، فعتب الله عليه حيث لم يتركها لخاطبها. الخامس أنه لم يجزع على قتل أوريا كما كان يجزع على من هلك من الجند، ثم تزوج امرأته فعاتبه الله على ذلك، لأن ذنوب الأنبياء وإن صغرت فهي عظيمة. السادس أنه حكم لأحد الخصمين قبل أن يسمع من الآخر كما قدمنا.

والظاهر من الخصومة التي وقعت بين الملكين تعريضا لداود -عليه السلام- أنه طلب من زوج المرأة الواحدة أن ينزل له عنها ويضمها إلى نسائه، ولا ينافي هذا العصمة الكائنة للأنبياء، فقد نبهه الله على ذلك وعرض له بإرسال ملائكته إليه ليتخاصموا في مثل قصته حتى يستغفر لذنبه ويتوب منه فاستغفر وتاب. وقد قال سبحانه وعصى آدم ربه فغوى وهو أبو البشر وأول

(1) ابن عاشور، التحرير والتنوير، 23/ 235 - 235.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت