ويتبين نوع هذا العتاب فيما ذكر في سبب نزول هذه الآية، وكما روي أن هذه الآية نزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم من أجل امتناع أبي طالب عمه من إجابته، إذ دعاه إلى الإيمان بالله، إلى ما دعاه إليه من ذلك.
عن أبي هريرة قال: لما حضرتْ وفاة أبي طالب، أتاه رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فقال:"يا عَمَّاهُ، قُلْ لا إلَهَ إلا الله [أَشْهَد لَكَ بِها يَوْمَ القِيامَةِ] "إلا أنه قال: لولا أن تعيرني قريش، يقولون: ما حمله عليه إلا جزع الموت، لأقررت عينك، وأبى أن يقول: لا إله إلا الله، فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-:"أَمَا وَاللهِ لأسْتَغْفِرَنَّ لَكَ مَا لَمْ أُنْهَ عَنْكَ"، فأنزل الله {مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى} [1] ، وأنزل الله في أبي طالب، فقال لرسول الله -صلى الله عليه وسلم-: {إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ} [2] .
وهذا يبن أن الله تعالى عاتب نبيه وأمره بالكف عما جرى من قدر الله تعالى على عباده. وقد دلت على هذا المعنى آيات كثيرة; كقوله -تعالى-: {إِنْ تَحْرِصْ عَلَى هُدَاهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ يُضِلُّ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ} [3] ، وقوله: {وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا أُولَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ} [4] ، إلى غير ذلك من الآيات، كما تقدم إيضاحه، كما أن قوله -تعالى-:
(1) سورة التوبة، الآية: 113.
(2) سورة القصص، الآية: 56. وانظر: صحيح مسلم، كتاب الإيمان باب أول الإيمان قول لاإله إلا الله، 1/ 55، رقم الحديث: 41.
(3) سورة النحل، الآية: 37.
(4) سورة المائدة، الآية: 41.