محل الشاهد: قوله -تعالى-: {عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ} ، فقد استأذن المنافقون رسول الله -صلى الله عليه وسلّم- في غزوة تبوك فقبل معذرتهم وأذن لهم فعاتبه الله على ذلك وطلب منه أن يتثبت من أمرهم ليعلم الصادق من الكاذب [1] .
المعنى: قدّم الله ذكر العفو على الخطاب الذي هو في صورة العتاب بقوله: {لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ} [2] ، لقد نزلت هذه الآية لأن الرّسول -صلى الله عليه وسلم- كان قد أذن لبعض المنافقين بالتخلف بناء على ما تقدموا به إليه من الأعذار الموثقة بالأيمان، ولهذا فإنه تعالى عاتبه على ذلك بألطف وأرق أنواع العتاب، إذ صدره بقوله عز قوله {عَفَا اللَّهُ عَنْكَ} وزادك تبصرا في هؤلاء المنافقين الّذين يبطنون غير ما يظهرون {لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ} بالتخلف يا سيد الرّسل حتى يحتجوا به فهلا استأنيت وترويت بإذنهم {حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا} باعتذارهم فتأذن [3] .
لم يكن من النبي -صلى الله عليه وسلم- خرق حدّ أو تعاطى محظور، وإنما ترك ما هو الأولى، وإن دل هذا فإنما يدل على جواز الزّلة على الأنبياء- عليهم السلام- إذ لم يكن ذلك في تبليغ أمر [4] .
(1) أبو شوفة، المعجزة القرآنية حقائق علمية قاطعة، /220.
(2) القشيري، عبد الكريم بن هوازن بن عبد الملك، (المتوفى: 465 هـ) ، لطائف الإشارات، ط 3، تحقيق: إبراهيم البسيوني، (الناشر: الهيئة المصرية العامة للكتاب - مصر) ، د، ت، 2/ 30.
(3) ملا حويش آل غازى عبد القادر، د، ط، بيان المعاني، (الناشر: مطبعة الترقى، دمشق، 1382 ق) ، 6/ 439.
(4) القشيري، لطائف الإشارات، 2/ 30.