قصة أبي جهل وأبي سفيان والأخنس بن شريف في استماعهم ليلًا سرًّا للقرآن وتلاقيهم في الطريق عند الفجر ولوم كل منهم لصاحبه وتكرار ذلك أكثر من مرة، وما ذلك إلا لأنّ القرآن قد استولى على مشاعرهم بروعة بيانه، وجمال نظمه وأسلوبه وهداياته، ولكن أبى عليهم عنادهم وكبرهم أن ينصاعوا للحق: {بَلْ جَاءَهُمْ بِالْحَقِّ وَأَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ} [المؤمنون: 70] .
ثانيًا: إن تأثير القرآن في نفوس المشركين هو الذي أنطق بعض صناديد قريش بكلمة الحق. مثل الوليد بن المغيرة، عندما استمع القرآن من النبي - صلى الله عليه وسلم - فكأنه رقّ له فبلغ ذلك أبا جهل فألح عليه أن يقول في القرآن قولًا يبلغ قومه أنه منكر له، فقال الوليد بن المغيرة: وماذا أقول؟ فو الله ما منكم رجل أعرف بالأشعار مني، ولا أعلم برجزه ولا بقصيده مني، ولا بأشعار الجن. . والله ما يشبه الذي يقول شيئًا من هذا، و والله إنّ لقوله الذي يقوله لحلاوة، وإن عليه لطلاوة، وإنّه لمثمر أعلاه، مغدق أسفله وإنه ليعلو ولا يعلى عليه، وإنّه ليحطم ما تحته. . إلخ [1] .
ولما طلبت قريش (عتبة بن ربيعة) أن يكلم النبي - صلى الله عليه وسلم - في شأن القرآن وعدم نشره بينهم، فلما جاء النبي - صلى الله عليه وسلم - وكلمة في هذا الأمر تلا عليه رسول الله - صلى الله عليه وسلم: {بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} {حم * تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} كِتَابٌ فُصِّلَتْ آَيَاتُهُ قُرْآَنًا عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ
(1) انظر دلائل النبوة للبيهقي جـ 2، ص: 168.