فهرس الكتاب

الصفحة 69 من 185

وأما استثناؤه - صلى الله عليه وسلم - من ذلك آكلة الخضر فمراده بذلك مثل المقتصد الذي يأخذ من الدنيا بحقها مقدار حاجته فإذا نفذ واحتاج عاد إلى الأخذ منها قدر الحاجة بحقه وآكلة الخضر دويبة تأكل من الخضر بقدر حاجتها إذا احتاجت إلى الأكل ثم تصرفه عنها فتستقبل عين الشمس فتصرف بذلك ما في بطنها وتخرج منه ما يؤذيها من الفضلات، وقد قيل إن الخضر ليس من نبات الربيع عند العرب إنما هو من كلا الصيف بعد يبس العشب وهيجه واصفراره والماشية من الإبل لا تستكثر منه بل تأخذ منه قليلا قليلا ولا تحبط بطونها منه فهذا مثل المؤمن المقتصد من الدنيا يأخذ من حلالها وهو قليل بالنسبة إلى حرامها قدر بلغته وحاجته ويجتزي من متاعها بأدونه وأخشنه ثم لا يعود على الأخذ منها إلا إذا نفذ ما عنده وخرجت فضلاته فلا يوجب له هذا الأخذ ضررا ولا مرضا ولا هلاكا بل يكون ذلك بلاغا له ويتبلغ به مدة حياته ويعينه على التزود لآخرته، وفي هذا إشارة إلى مدح من أخذ من حلال الدنيا بقدر بلغته وقنع بذلك كما قال - صلى الله عليه وسلم - «قد أفلح من هداه الله إلى الإسلام وكان عيشه كفافًا فقنع به» [1] وقال - صلى الله عليه وسلم - خير الرزق ما يكفي) [2] وقال (اللهم اجعل رزق آل محمد قوتا) [3] شعر:

خذ من الرزق ما كفى ... ومن العيش ما صفا

كل هذا سينقضي ... كسراج إذا انطفا#

(1) رواه مسلم وغيره بلفظ «قد أفلح من اسلم ورزق كفافا وقنَّعه الله با آتاه» .

(2) رواه أحمد وابن حبان وصححه والبيهقي عن سعد بن أبي وقاص.

(3) رواه البخاري ومسلم.#

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت