ـ بيان فضل النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وعلو شأنه، وسيادته على الخلق.
ـ وفي الحديث إظهار لقول الله تعالى (( وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين ) )، فهو - صلى الله عليه وسلم - أرحم الناس بأمته في الدنيا والآخرة، وأن بركته ورحمته تبلغ العصاة وأهل الكبائر من هذه الأمة. بل والأمم الأخرى في إراحتها من الموقف.
ـ الحكمة من الشفاعة:
قال ابن عثيمين رحمه الله: (( والحكمة من هذه الواسطة بينها بقوله [1] (ليكرمه وينال المقام المحمود) ، ولو شاء الله لغفر لهم بلا شفاعة، ولكنه أراد بيان فضل هذه الشافع، وإكرامه أمام الناس، ومن المعلوم أن من قبل الله شفاعته فهو عنده بمنزلة عالية، فيكون في هذا إكرام للشافع من وجهين:
الأول: إكرام الشافع بقبول شفاعته.
الثاني: ظهور جاهه وشرفه عند الله تعالى )) [2] .
ـ صفة ما يفعله النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من أنه لا يبدأ بالشفاعة، بل يسجد فإذا أذن له شفع.
ـ أهمية التوحيد وأن من أراد النجاة لا بد له من تحقيق كلمة التوحيد بشروطها، و فيه بيان عظم قدر هذه الكلمة العظيمة الشريفة (لا إله إلا الله) .
? ومن هنا يجب التنبيه على أمر هام ومسألة عظيمة:
وهي أن كلمة التوحيد (( لا إله إلا الله ) )لا تنفع إلا من أتى بشروطها، وعمل بمقتضاها.
فمن قالها ولكنه أتى بناقض من نواقضها، ولم يعمل بمقتضاها فإنها لا تنفعه يوم القيامة، ولا يكون أهلًا للشفاعة.
ولقد نبه العلماء على ذلك قديمًا وحديثًا:
? قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله:
(( ... فَالْمَلائِكَةُ وَالأَنْبِيَاءُ وَالصَّالِحُونَ - وَإِنْ كَانُوا لا يَمْلِكُونَ الشَّفَاعَةَ - لَكِنْ إذَا أَذِنَ الرَّبُّ لَهُمْ شَفَعُوا. وَهُمْ لا يُؤْذَنُ لَهُمْ إلا فِي الشَّفَاعَةِ لِلْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَشْهَدُونَ أَنْ لا إلَهَ إلا اللَّهُ. فَيَشْهَدُونَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ.
لا يَشْفَعُونَ لِمَنْ قَالَ هَذِهِ الْكَلِمَةَ تَقْلِيدًا لِلآبَاءِ وَالشُّيُوخِ.
كَمَا جَاءَ الْحَدِيثُ الصَّحِيحُ: {إنَّ الرَّجُلَ يُسْأَلُ فِي قَبْرِهِ؟ مَا تَقُولُ فِي هَذَا الرَّجُلِ؟ فَأَمَّا الْمُؤْمِنُ فَيَقُولُ: هُوَ عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ. جَاءَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى. وَأَمَّا الْمُرْتَابُ فَيَقُولُ: هاه هاه لا أَدْرِي. سَمِعْت النَّاسَ يَقُولُونَ شَيْئًا فَقُلْته} .
فَلِهَذَا قَالَ {إلا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ} . وَقَدْ تَقَدَّمَ قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ: يَعْنِي مَنْ قَالَ"لا إلَهَ إلا اللَّهُ"يَعْنِي: خَالِصًا مِنْ قَلْبِهِ.
وَالأَحَادِيثُ الصَّحِيحَةُ الْوَارِدَةُ فِي الشَّفَاعَةِ كُلُّهَا تُبَيِّنُ: أَنَّ الشَّفَاعَةَ إنَّمَا تَكُونُ فِي أَهْلِ"لا إلَهَ إلا اللَّهُ". وَقَدْ ثَبَتَ فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ: أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَنْ أَسْعَدُ النَّاسِ بِشَفَاعَتِك يَوْمَ الْقِيَامَةِ؟ قَالَ: يَا أَبَا هُرَيْرَةَ لَقَدْ ظَنَنْت أَنْ لا يَسْأَلَنِي عَنْ هَذَا الْحَدِيثِ أَحَدٌ أَوَّلَ مِنْك لِمَا رَأَيْت مِنْ حِرْصِك عَلَى الْحَدِيثِ. أَسْعَدُ النَّاسِ بِشَفَاعَتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ: مَنْ قَالَ لا إلَهَ إلا اللَّهُ خَالِصًا مِنْ قِبَلِ نَفْسِهِ.
فَبَيَّنَ أَنَّ الْمُخْلِصَ لَهَا مِنْ قِبَلِ نَفْسِهِ: هُوَ أَسْعَدُ بِشَفَاعَتِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ غَيْرِهِ مِمَّنْ يَقُولُهَا بِلِسَانِهِ وَتُكَذِّبُهَا أَقْوَالُهُ وَأَعْمَالُهُ. فَهَؤُلاءِ هُمْ الَّذِينَ شَهِدُوا بِالْحَقِّ شَهِدُوا"أَنْ لا إلَهَ إلا اللَّهُ"كَمَا شَهِدَ اللَّهُ لِنَفْسِهِ بِذَلِكَ وَمَلائِكَتُهُ وَأُولُو الْعِلْمِ {شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إلَهَ إلا هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لا إلَهَ إلا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} . فَإِذَا شَهِدُوا - وَهُمْ يَعْلَمُونَ - كَانُوا مِنْ أَهْلِ الشَّفَاعَةِ شَافِعِينَ وَمَشْفُوعًا لَهُمْ. )) [3] .
? قال الشيخ عبدالرحمن آل الشيخ رحمه الله:
(( قوله(من شهد أن لا إله إلا الله) : أي من تكلم بها عارفًا لمعناها، عاملًا بمقتضاها، باطنًا وظاهرًا، فلابد في الشهادتين من العلم واليقين والعمل بمدلولها، كما قال الله تعالى:"فاعلم أنه لا إله إلا الله"وقوله:"إلا من شهد بالحق وهم يعلمون"أما النطق بها من غير معرفة لمعناها ولا يقين ولا عمل بما تقتضيه: من البراءة من الشرك، وإخلاص القول والعمل: قول القلب واللسان وعمل القلب والجوارح - فغير نافع بالإجماع.
(1) أي الشيخ محمد بن عبدالوهاب.
(2) القول المفيد (1/ 441 - 442) .
(3) مجموع الفتاوى (14/ 409) .