وَيَحْتَمِل أَيْضًا أَنْ يُقَال: هَذَا مَفْهُوم عَدَد , وَلا يَحْتَجّ بِهِ جَمَاهِير الأُصُولِيِّينَ فَلا يَلْزَم مِنْ الإِخْبَار عَنْ قَبُول شَفَاعَة مِائَة مَنْع قَبُول مَا دُون ذَلِكَ , وَكَذَا فِي الأَرْبَعِينَ مَعَ ثَلاثَة صُفُوف , وَحِينَئِذٍ كُلّ الأَحَادِيث مَعْمُول بِهَا وَيَحْصُل الشَّفَاعَة بِأَقَلِّ الأَمْرَيْنِ مِنْ ثَلاثَة صُفُوف وَأَرْبَعِينَ. ا. هـ [1]
والشفاعة تكون:
• لأصحاب الكبائر من هذه الأمة:
• عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رضي الله عنه عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
(( قَالَ شَفَاعَتِي لأَهْلِ الْكَبَائِرِ مِنْ أُمَّتِي ) ) [2] .
• عن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب رضي الله عنهم، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( شَفَاعَتِي لأَهْلِ الْكَبَائِرِ مِنْ أُمَّتِي ) ).
قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ: فَقَالَ لِي جَابِرٌ: (( يَا مُحَمَّدُ مَنْ لَمْ يَكُنْ مِنْ أَهْلِ الْكَبَائِرِ فَمَا لَهُ وَلِلشَّفَاعَةِ ) ) [3] .
• عن ابن عمر رضي الله عنه قال: (( ما زلنا نمسك عن الاستغفار لأهل الكبائر، حتى سمعنا من نبينا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (( إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ) )، وإني ادخرت دعوتي شفاعة لأهل الكبائر من أمتي يوم القيامة )) [4]
• وعنه رضي الله عنه في رواية: (( فأمسكنا عن كثير مما كان في أنفسنا ) ) [5] .
• تنبيه مهم: كل ما تقدم من الأحاديث يدل على الشفاعة لأهل الكبائر فهم يدخلون فيمن (قال لا إله إلا الله) ، وفيمن (مات مسلمًا) ، وفيمن (من كان في قلبه ذرة من إيمان) وفيمن (من صلى على النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حين يصبح وحين يمسي) وفيمن (سأل الله له الوسيلة) وفيمن (من مات بالمدينة) وفيمن (من مات وصلى عليه طائفة من الموحدين) وغير ذلك من الأحاديث.
كما أن أهل الكبائر يدخلون في عموم أمة محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فلهم نصيب من الأحاديث التي ذكرناه سابقًا نحو قوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (( وأريد أن أختبئ دعوتي شفاعة لأمتي في الآخرة ) )وأمثال ذلك من الأحاديث.
فحتى وإن لم يكن قد خصهم النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بحديث (( شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي ) )، أو خرج علينا من يزعم ضعف الحديث (وهو صحيح كما سبق) ، لوسعتهم الأحاديث الأخرى، كما تسع غيرهم.
? قال في عون المعبود:
(شفاعتي لأَهْلِ الْكَبَائِر مِنْ أُمَّتِي) : أَيْ الَّذِينَ اِسْتَوْجَبُوا النَّار بِذُنُوبِهِمْ الْكَبَائِر فَلا يَدْخُلُونَ بِهَا النَّار وَأُخْرِج بِهَا مَنْ أَدْخَلْته كَبَائِر ذُنُوبه النَّار مِمَّنْ قَالَ لا إِلَه إِلا اللَّه مُحَمَّد رَسُول اللَّه. كَذَا فِي السِّرَاج الْمُنِير.
وَقَالَ الطِّيبِيُّ: أَيْ شَفَاعَتِي الَّتِي تُنْجِي الْهَالِكِينَ مُخْتَصَّة بِأَهْلِ الْكَبَائِر.
قَالَ النَّوَوِيّ: قَالَ الْقَاضِي عِيَاض رَحِمَهُ اللَّه مَذْهَب أَهْل السُّنَّة جَوَاز الشَّفَاعَة عَقْلًا وَوُجُوبهَا سَمْعًا لِصَرِيحِ قَوْله تَعَالَى {يَوْمئِذٍ لا تَنْفَع الشَّفَاعَة إِلا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَن وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا} وَقَدْ جَاءَتْ الآثَار الَّتِي بَلَغَتْ بِمَجْمُوعِهَا التَّوَاتُر لِصِحَّةِ الشَّفَاعَة فِي الآخِرَة، وَأَجْمَعَ السَّلَف الصَّالِحُونَ وَمَنْ بَعْدهمْ مِنْ أَهْل السُّنَّة عَلَيْهَا، وَمَنَعَتْ الْخَوَارِج وَبَعْض الْمُعْتَزِلَة مِنْهَا وَتَعَلَّقُوا بِمَذَاهِبِهِمْ فِي تَخْلِيد الْمُذْنِبِينَ فِي النَّار بِقَوْلِهِ تَعَالَى {فَمَا تَنْفَعهُمْ شَفَاعَة الشَّافِعِينَ} وَبِقَوْلِهِ سُبْحَانه {مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيم وَلا شَفِيع يُطَاع} وَأُجِيبَ بِأَنَّ الآيَتَيْنِ فِي الْكُفَّار، وَالْمُرَاد بِالظُّلْمِ الشِّرْك.
(1) شرح مسلم (3/ 549 - 550) .
(2) رواه أبو داود في السنة باب الشفاعة (4114) ، وصححه الألباني في صحيح أبي داود (3965) ، وأحمد في مسند أنس (12745) ، و رواه ابن حبان (6468) والحاكم عن جابر وقال صحيح على شرط الشيخين وأقره الذهبي (1/ 69) والطبراني في الكبير عن ابن عباس والخطيب في التاريخ عن ابن عمر، وعن كعب بن عجرة، وصححه في صحيح الجامع برقم (3714) ، وقال شعيب الأرناؤط في صحيح ابن حبان (14/ 387) : إسناده صحيح على شرط مسلم، وفي الباب عن ابن عباس عند الطبراني في الكبير (11454) ، وعن ابن عمر عند الخطيب في تاريخه (8/ 11) .
(3) رواه الترمذي في صفة القيامة (2360) ، وابن ماجه في الزهد (4300) ، وصححه الألباني في صحيح الجامع (3714) ورواه ابن حبان (6467) وقال شعيب الأرناؤط.: حديث صحيح ورجاله رجال الصحيح (14/ 386) .
(4) ذكره الأصبهاني في المحجة، وقال محمد أبو رحيم: رواه البيهقي في الاعتقاد (87 - 88) ، والبزار، وإسناده جيد، انظر الزوائد (8/ 210 - 211) ، وانظر التخريج التالي.
(5) رواه ابن أبي عاصم في السنة (830) وقال الألباني حديث حسن (2/ 398) .