وقوله سبحانه وتعالى (( ما للظالمين من حميم ولا شفيع يطاع ) )أي ليس للذين ظلموا أنفسهم بالشرك بالله من قريب منهم ينفعهم، ولا شفيع يشفع فيهم، بل قد تقطعت بهم الأسباب من كل خير. ا. هـ [1]
الآيات الدالة على أن الشفاعة ملك لله تعالى
ولا تكون إلا بعد إذنه تبارك وتعالى ورضاه
وهذه الآيات الكريمة تتضمن عدة نقاط أساسية وهي:
? أن الشفاعة حق خالص لله تبارك وتعالى، وملك له عز وجل لا يشاركه فيه غيره.
? أن الشفاعة لا يستحقها إلا أهل التوحيد الذين أخلصوا دينهم لله تعالى.
? الشفاعة لا تكون إلا من بعد إذن الله جل وعلا، ورضاه عن الشافع والمشفوع.
قال الله تبارك وتعالى: (( مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلا بِإِذْنِهِ ) ) [2]
قال الطبري رحمه الله:
وأما قوله (من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه) يعني بذلك: من ذا الذي يشفع لمماليكه إن أراد عقوبتهم إلا أن يليه، ويأذن له بالشفاعة لهم، وإنما قال ذلك تعالى ذكره لأن المشركين قالوا: ما نعبد أوثاننا هذه إلا ليقربونا إلى الله زلفى؛ فقال الله تعالى ذكره لهم: لي ما في السماوات وما في الأرض مع السماوات والأرض ملكا، فلا ينبغي العبادة لغيري، فلا تعبدوا الأوثان التي تزعمون أنها تقربكم مني زلفى، فإنها لا تنفعكم عندي ولا تغني عنكم شيئا، ولا يشفع عندي أحد لأحد إلا بتخليتي إياه والشفاعة لمن يشفع له، من رسلي وأوليائي وأهل طاعتي. ا. هـ [3]
قال ابن كثير رحمه الله:
وقوله"من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه"كقوله"وكم من ملك في السماوات لا تغني شفاعتهم شيئا إلا من بعد أن يأذن الله لمن يشاء ويرضى"وكقوله"ولا يشفعون إلا لمن ارتضى"وهذا من عظمته وجلاله وكبريائه عز وجل أنه لا يتجاسر أحد على أن يشفع لأحد عنده إلا بإذنه له في الشفاعة؛ كما في حديث الشفاعة آتي تحت العرش فأخر ساجدا فيدعني ما شاء الله أن يدعني ثم يقال ارفع رأسك وقل تسمع واشفع تشفع"قال"فيحد لي حدا فأدخلهم الجنة. ا. هـ [4]
قال القرطبي:
وتقرر في هذه الآية أن الله يأذن لمن يشاء في الشفاعة، وهم الأنبياء والعلماء والمجاهدون والملائكة وغيرهم ممن أكرمهم وشرفهم الله، ثم لا يشفعون إلا لمن ارتضى، كما قال"ولا يشفعون إلا لمن ارتضى".ا. هـ [5]
قال عبدالرحمن آل الشيخ رحمه الله:
وفي هذه الآية بيان أن الشفاعة إنما تقع في الدار الآخرة بإذنه، كما قال تعالى (( يومئذ لا تنفع الشفاعة إلا من أذن له الرحمن ورضي له قولًا ) ) [6] فبين أنها لا تقع لأحد إلا بشرطين:
? إذن الرب تعالى للشافع أن يشفع.
? ورضاه عن المأذون بالشفاعة فيه.
وهو تعالى لا يرضى من الأقوال والأعمال الظاهرة والباطنة إلا ما أريد بها وجهه، ولقي العبد به ربه مخلصًا غير شاك في ذلك. ا. هـ [7]
ويدل على ذلك أيضًا قوله سبحانه وتعالى: (( يَوْمَئِذٍ لا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا ) ) [8]
وقوله تعالى: (( قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا لَهُ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ) ) [9] .
(1) تفسير ابن كثير (4/ 82) .
(2) سورة البقرة الآية 255
(3) تفسير الطبري بتحقيق أحمد شاكر (5/ 395) .
(4) تفسير ابن كثير (1/ 316 - 317) .
(5) تفسير القرطبي (3/ 237)
(6) سورة طه (20) .
(7) فتح المجيد (ص 203) .
(8) سورة طه الآية 109
(9) سورة الزمر الآية 44