قال: قال سفيان فقدم علينا عمرو بن عبيد [1] ، ومعه رجل تابع له على هواه، قال: فدخل عمرو بن عبيد الحجر فصلى فيه، وخرج صاحبه وقام على عمرو بن دينار وهو يحدث هذا عن جابر بن عبدالله رضي الله عنه عن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
فرجع إلى عمرو بن عبيد فقال: يا ضال، أما كنت تخبر أنه لا يخرج أحد من النار؟
قال: بلى.
قال: فهو ذا عمرو بن دينار يزعم أنه سمع جابر بن عبدالله يقول: قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (( يخرج قوم من النار فيدخلون الجنة ) ).
فقال عمرو بن عبيد: لهذا معنى لا تعرفه.
فقال الرجل: وأي معنى يكون لهذا!!، وفك ثوبه من يديه وفارقه )) [2] .
هذا وقد تواترت الأدلة على هذا النوع من الشفاعة، وأجمع عليه أهل العلم خلافًا لما ذهبت إليه الخوارج والمعتزلة وغيرهم.
• قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله:
(( وَأَمَّا شَفَاعَتُهُ وَدُعَاؤُهُ لِلْمُؤْمِنِينَ فَهِيَ نَافِعَةٌ فِي الدُّنْيَا وَالدِّينِ بِاتِّفَاقِ الْمُسْلِمِينَ وَكَذَلِكَ شَفَاعَتُهُ لِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِي زِيَادَةِ الثَّوَابِ وَرَفْعِ الدَّرَجَاتِ مُتَّفَقٌ عَلَيْهَا بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ وَقَدْ قِيلَ إنَّ بَعْضَ أَهْلِ الْبِدْعَةِ يُنْكِرُهَا.
وَأَمَّا شَفَاعَتُهُ لأَهْلِ الذُّنُوبِ مِنْ أُمَّتِهِ فَمُتَّفَقٌ عَلَيْهَا بَيْنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ لَهُمْ بِإِحْسَانِ وَسَائِرِ أَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ الأَرْبَعَةِ وَغَيْرِهِمْ.
وَأَنْكَرَهَا كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْبِدَعِ مِنْ الْخَوَارِجِ وَالْمُعْتَزِلَةِ وَالزَّيْدِيَّةِ وَقَالَ هَؤُلاءِ: مَنْ يَدْخُلُ النَّارَ لا يَخْرُجُ مِنْهَا لا بِشَفَاعَةِ وَلا غَيْرِهَا وَعِنْدَ هَؤُلاءِ مَا ثَمَّ إلا مَنْ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ فَلا يَدْخُلُ النَّارَ وَمَنْ يَدْخُلُ النَّارَ فَلا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ وَلا يَجْتَمِعُ عِنْدَهُمْ فِي الشَّخْصِ الْوَاحِدِ ثَوَابٌ وَعِقَابٌ.
وَأَمَّا الصَّحَابَةُ وَالتَّابِعُونَ لَهُمْ بِإِحْسَانِ وَسَائِرُ الأَئِمَّةِ كَالأَرْبَعَةِ وَغَيْرِهِمْ فَيُقِرُّونَ بِمَا تَوَاتَرَتْ بِهِ الأَحَادِيثُ الصَّحِيحَةُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّ اللَّهَ يُخْرِجُ مِنْ النَّارِ قَوْمًا بَعْدَ أَنْ يُعَذِّبَهُمْ اللَّهُ مَا شَاءَ أَنْ يُعَذِّبَهُمْ يُخْرِجُهُمْ بِشَفَاعَةِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَيُخْرِجُ آخَرِينَ بِشَفَاعَةِ غَيْرِهِ وَيُخْرِجُ قَوْمًا بِلا شَفَاعَةٍ )) [3]
• قال عبدالرحمن آل الشيخ رحمه الله:
(( شفاعته في العصاة من أهل التوحيد الذين يدخلون النار بذنوبهم، والأحاديث بها متواترة عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وقد أجمع عليها الصحابة وأهل السنة قاطبة، وبدعوا من أنكرها، وصاحوا به من كل جانب، ونادوا عليه بالضلال ) ) [4] .
• قال الشيخ مجد الدين رحمه الله:
(( والمعتزلة تقول: لن يخرج من النار من دخل فيها، وذلك تكذيب للشريعة، وإخفاء لذمتها المنيعة، فلا يحرم شفاعة النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلا الكفار، ولعلها ألا تنال من يكذب بها من أهل الأهواء والبدع ) ) [5] .
• قال الشيخ حافظ حكمي رحمه الله:
(( فهذه الشفاعة حق يؤمن بها أهل السنة والجماعة، كما آمن بها الصحابة رضوان الله تعالى عليهم، ودرج على الإيمان بذلك التابعون لهم بإحسان رضي الله عنهم ورضوا عنه، وأنكرها في آخر عصر الصحابة الخوارج، وأنكرها في عصر التابعين المعتزلة، وقالوا بخلود من دخل النار من عصاة الموحدين الذين يشهدون أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، ويشهدون أن محمدًا عبده ورسوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ويقيمون الصلاة، ويؤتون الزكاة، ويصومون رمضان، ويحجون البيت الحرام، ويسألون الله الجنة، ويستعيذون به من النار في كل صلاة ودعاء، غير أنهم ماتوا مصرين على معصية عملية عالمين بتحريمها معتقدينه، مؤمنين بما جاء فيه الوعيد الشديد، فقضوا بتخليدهم في جهنم مع فرعون وهامان وقارون، فجحدوا قول الله عز وجل (( أم نجعل الذين آمنوا وعملوا الصالحات كالمفسدين في الأرض، أم نجعل المتقين كالفجار ) ) [6] ، وقوله عز وجل (( أم حسب الذين اجترحوا السيئات أن نجعلهم كالذين آمنوا وعملوا الصالحات سواء محياهم ومماتهم ساء ما يحكمون ) ) [7] وقوله تعالى (( أفنجعل المسلمين كالمجرمين، مالكم كيف تحكمون ) ) [8] ، وغيرها من الآيات وسائر الأحاديث الواردة )) ا. هـ [9]
(1) عمرو بن عبيد: هو أول من أنكر أحاديث الشفاعة، وهو مبتدع باتفاق أهل السنة (فتح البيان 4/ 440) .
(2) رواه اللالكائي في اعتقاد أهل السنة (6/ 1164) ، وذكره الخطيب البغدادي بسنده في تاريخ بغداد (12/ 177) .
(3) مجموع الفتاوى (1/ 149) .
(4) فتح المجيد (ص 207) .
(5) نهاية السول 225.
(6) سورة ص (28) .
(7) سورة الجاثية (21) .
(8) سورة القلم (35 - 36) .
(9) معارج القبول (2/ 315) .