فهرس الكتاب

الصفحة 201 من 220

يقول ابن القيم رحمه الله

عن من لم يأخذ ما دل عليه الكتاب والسنة، ومن لم يأخذ معاني الكتاب والسنة من الصحابة والتابعين بأنه: يلزمه أحد أمرين:

ـ إما أن يستبدل الذي هو أدنى بالذي هو خير، ويعدل عن الطريق التي فيها من العلوم اليقينية والأمور الإيمانية ما لا يوجد في غيرها، إلى ما هو دونها في ذلك كله، بل يستبدل باليقين شكًا وبالظن الراجح وهمًا، وبالإيمان كفرًا، وبالهدى ضلالًا، وبالعلم جهالة، وبالبيان عيًا، وبالعدل ظلمًا، وبالصدق كذبًا، ويحمل كلام الله ورسوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ على مجازه تحريفًا للكلم عن مواضعه، ويسميه تأويلًا لتقبله النفوس الجاهلة بحقائق الإيمان والقرآن.

ـ وإما أن يعرض عن ذلك كله، ولا يجعل للقرآن مفهومًا، وقد أنزله الله تعالى بيانًا وهدى وشفاء لما في الصدور.

قال تعالى في أصحاب الطريقين (( أفتطمعون أن يؤمنوا لكم وقد كان فريق منهم يسمعون كلام الله ثم يحرفونه من بعد ما عقلوه وهم يعلمون ) )، ثم قال في أهل الطريق الثاني (( ومنهم أميون لا يعلمون الكتاب إلا أماني وإن هم إلا يظنون ) )، ثم قال في المصنفين الذين يصنفون ما لا يعلم أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - قاله وجاء به، بل يعلم أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - جاء بخلافه (( فويل للذين يكتبون الكتاب بأيديهم، ثم يقولون هذا من عند الله ) ).

فهذه الطريقة المذمومة التي سلكها علماء اليهود، وقد سلكها أشباههم من هذه الأمة، تحقيقًا لقول الصادق المصدوق (( لتأخذن أمتي مأخذ الأمم قبلها، شبرًا بشبر، وذراعًا بذراع ) )وفي لفظ آخر (( لتركبن سنن من كان قبلكم حذو القذة بالقذة ) )، وكثير من هؤلاء الأشباه يحرفون كلام الله ويكتمونه، لئلا يحتج به عليهم في خلاف أهوائهم، فتارة يغل كتب الآثار التي فيها كلام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وكلام أصحابه والتابعين وأئمة السنة، ويمنع من إظهارها، وربما أعدمها وربما عاقب من كتبها أو وجدها عنده كما شاهدناه منهم عيانًا، وكثير من هؤلاء يمنع من تبليغ الأحاديث النبوية وتفسير القرآن بالآثار والأخبار، حتى إذا جاءت تفاسير الجهمية والمعتزلة ونحوهم بالغ في مدحها وقال: إن التحقيق فيها.

وما لم يمكنهم منعه من الكتاب والسنة وكتمانه سطوا عليه بالتحريف وتأولوه على غير تأويله.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت