فهرس الكتاب

الصفحة 53 من 220

فَلِهَذَا قَالَ {إلا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ} . وَقَدْ تَقَدَّمَ قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ: يَعْنِي مَنْ قَالَ"لا إلَهَ إلا اللَّهُ"يَعْنِي: خَالِصًا مِنْ قَلْبِهِ.

وَالأَحَادِيثُ الصَّحِيحَةُ الْوَارِدَةُ فِي الشَّفَاعَةِ كُلُّهَا تُبَيِّنُ: أَنَّ الشَّفَاعَةَ إنَّمَا تَكُونُ فِي أَهْلِ"لا إلَهَ إلا اللَّهُ". وَقَدْ ثَبَتَ فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ. {أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ لِرَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم مَنْ أَسْعَدُ النَّاسِ بِشَفَاعَتِك يَوْمَ الْقِيَامَةِ؟ قَالَ: يَا أَبَا هُرَيْرَةَ لَقَدْ ظَنَنْت أَنْ لا يَسْأَلَنِي عَنْ هَذَا الْحَدِيثِ أَحَدٌ أَوَّلَ مِنْك لِمَا رَأَيْت مِنْ حِرْصِك عَلَى الْحَدِيثِ. أَسْعَدُ النَّاسِ بِشَفَاعَتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ: مَنْ قَالَ لا إلَهَ إلا اللَّهُ خَالِصًا مِنْ قِبَلِ نَفْسِهِ} .

فَبَيَّنَ أَنَّ الْمُخْلِصَ لَهَا مِنْ قِبَلِ نَفْسِهِ: هُوَ أَسْعَدُ بِشَفَاعَتِهِ صلى الله عليه وسلم مِنْ غَيْرِهِ مِمَّنْ يَقُولُهَا بِلِسَانِهِ وَتُكَذِّبُهَا أَقْوَالُهُ وَأَعْمَالُهُ.

فَهَؤُلاءِ هُمْ الَّذِينَ شَهِدُوا بِالْحَقِّ شَهِدُوا"أَنْ لا إلَهَ إلا اللَّهُ"كَمَا شَهِدَ اللَّهُ لِنَفْسِهِ بِذَلِكَ وَمَلائِكَتُهُ وَأُولُو الْعِلْمِ {شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إلَهَ إلا هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لا إلَهَ إلا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} . فَإِذَا شَهِدُوا - وَهُمْ يَعْلَمُونَ - كَانُوا مِنْ أَهْلِ الشَّفَاعَةِ شَافِعِينَ وَمَشْفُوعًا لَهُمْ.

فَإِنَّ الْمُؤْمِنِينَ أَهْلَ التَّوْحِيدِ يَشْفَعُ بَعْضُهُمْ فِي بَعْضٍ كَمَا ثَبَتَ ذَلِكَ فِي الأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ. كَمَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ الخدري رضي الله عنه عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: - فِي الْحَدِيثِ الطَّوِيلِ حَدِيثِ التَّجَلِّي وَالشَّفَاعَةِ - {حَتَّى إذَا خَلَصَ الْمُؤْمِنُونَ مِنْ النَّارِ. فَوَاَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ بِأَشَدَّ مُنَاشَدَةً لِلَّهِ فِي اسْتِيفَاءِ الْحَقِّ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ لِلَّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ لإِخْوَانِهِمْ الَّذِينَ فِي النَّارِ. يَقُولُونَ: رَبَّنَا كَانُوا يَصُومُونَ مَعَنَا وَيُصَلُّونَ وَيَحُجُّونَ. فَيُقَالُ لَهُمْ: أَخْرِجُوا مَنْ عَرَفْتُمْ. فَتُحَرَّمُ صُوَرُهُمْ عَلَى النَّارِ} - وَذَكَرَ تَمَامَ الْحَدِيثِ"."

وَسَبَبُ نُزُولِ الآيَةَ - عَلَى مَا ذَكَرُوهُ - مُؤَيِّدٌ لِمَا ذَكَرَهُ. قَالَ أَبُو الْفَرَجِ ابْنُ الْجَوْزِيِّ: سَبَبُ نُزُولِهَا: أَنَّ النَّضْرَ بْنَ الْحَارِثِ وَنَفَرًا مَعَهُ قَالُوا"إنْ كَانَ مَا يَقُولُ مُحَمَّدٌ حَقًّا. فَنَحْنُ نَتَوَلَّى الْمَلائِكَةَ. فَهُمْ أَحَقُّ بِالشَّفَاعَةِ مِنْ مُحَمَّدٍ. فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ"قَالَهُ مُقَاتِلٌ. وَعَلَى هَذَا: فَيُقْصَدُ أَنَّ الْمَلائِكَةَ وَغَيْرَهُمْ لا يَمْلِكُونَ الشَّفَاعَةَ. فَلَيْسَ تَوَلِّيكُمْ إيَّاهُمْ وَاسْتِشْفَاعُكُمْ بِهِمْ: بِاَلَّذِي يُوجِبُ أَنْ يَشْفَعُوا لَكُمْ. فَإِنَّ أَحَدًا مِمَّنْ يُدْعَى مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَمْلِكُ الشَّفَاعَةَ. وَلَكِنْ {مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ} فَإِنَّ اللَّهَ يَشْفَعُ فِيهِ. فَاَلَّذِي تُنَالُ بِهِ الشَّفَاعَةُ: هِيَ الشَّهَادَةُ بِالْحَقِّ. وَهِيَ شَهَادَةُ أَنْ لا إلَهَ إلا اللَّهُ. لا تُنَالُ بِتَوَلِّي غَيْرِ اللَّهِ. لا الْمَلائِكَةِ وَلا الأَنْبِيَاءِ وَلا الصَّالِحِينَ. فَمَنْ وَالَى أَحَدًا مِنْ هَؤُلاءِ وَدَعَاهُ وَحَجَّ إلَى قَبْرِهِ أَوْ مَوْضِعِهِ وَنَذَرَ لَهُ وَحَلَفَ بِهِ وَقَرَّبَ لَهُ الْقَرَابِينَ لِيَشْفَعَ لَهُ: لَمْ يُغْنِ ذَلِكَ عَنْهُ مِنْ اللَّهِ شَيْئًا. وَكَانَ مِنْ أَبْعَدِ النَّاسِ عَنْ شَفَاعَتِهِ وَشَفَاعَةِ غَيْرِهِ. فَإِنَّ الشَّفَاعَةَ إنَّمَا تَكُونُ: لأَهْلِ تَوْحِيدِ اللَّهِ وَإِخْلاصِ الْقَلْبِ وَالدِّينِ لَهُ. وَمَنْ تَوَلَّى أَحَدًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَهُوَ مُشْرِكٌ. فَهَذَا الْقَوْلُ وَالْعِبَادَةُ الَّذِي يَقْصِدُ بِهِ الْمُشْرِكُونَ الشَّفَاعَةَ: يُحَرِّمُ عَلَيْهِمْ الشَّفَاعَةَ. فَاَلَّذِينَ عَبَدُوا الْمَلائِكَةَ وَالأَنْبِيَاءَ وَالأَوْلِيَاءَ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت