الصفحة 127 من 298

قيل المعنى: أقسم بهذا البلد حال كونك حالاًّ فيه، لأن حلول النبي - صلى الله عليه وسلم - في مكة يزيدها شرفًا إلى شرفها.

وقيل المعنى: وأنت تستحل هذا البلد، فيكون إقسام الله تعالى بمكة حال كونها حلاًّ للرسول - صلى الله عليه وسلم -، وذلك عام الفتح؛ لأن مكة عام الفتح أُحلت للرسول عليه الصلاة والسلام ولم تحل لأحد قبله، ولا تحل لأحد بعد ذلك، كما قال عليه الصلاة والسلام: «وَقَدْ عَادَتْ حُرْمَتُهَا الْيَوْمَ كَحُرْمَتِهَا بِالْأَمْسِ» [1] ، فيكون إقسام الله تعالى بهذا البلد مقيدًا بما إذا كانت حلاًّ للرسول - صلى الله عليه وسلم - عام الفتح؛ لأنها في ذلك اليوم تزداد شرفًا إلى شرفها، حيث طُهِّرت من الأصنام وهزم المشركون، وفتحت عليهم بلادهم عنوة، وصارت هذه البلد بعد أن كانت بلد كفر صارت بلاد إيمان، وبعد أن كانت بلاد شرك صارت بلاد توحيد، وبعد أن كانت بلاد عناد صارت بلاد إسلام، فأشرف حال لمكة كانت عند الفتح.

[وَوَالِدٍ وَمَا وَلَدَ]

يعني وأقسم بالوالد وما ولد، فمن المراد بالوالد ومن المراد بالولد؟

قيل: المراد بالوالد آدم، وبالولد بنو آدم وعلى هذا تكون (مَا) بمعنى (مَنْ) أي: ووالد ومن ولد، لأن (من) للعقلاء، و (ما) لغير العقلاء.

وقيل: المراد بالوالد وما ولد كل والد وما ولد، الإنسان والبهائم وكل شيء، لأن الوالد والمولود كلاهما من آيات الله عز وجل، كيف يخرج هذا المولود حيًّا سويًّا سميعًا بصيرًا من نطفة من ماء، فهذا دليل على كمال قدرة الله عز وجل، هذا الولد السوي يخرج من نطفة [أَوَلَمْ يَرَ الْإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ] (يس: 77) . كذلك الحشرات وغيرها تخرج ضعيفة هزيلة، ثم تكبر إلى ما شاء الله تعالى من حد. والصحيح أن هذه عامة تشمل كل والد وكل مولود [لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَنَ فِى كَبَدٍ] اللام هنا واقعة في جواب القسم، لتزيد الجملة تأكيدًا، و (قَدْ) تزيد الجملة تأكيدًا

(1) أخرجه البخاري، (بَاب لَا يُعْضَدُ شَجَرُ الْحَرَمِ) ، رقم (1832) ، ومسلم، (باب تَحْرِيمِ مَكَّةَ وَصَيْدِهَا) ، (3370) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت