على الأول الذين يقولون المراد بالليال العشر عشر ذي الحجة، فلأن عشر ذي الحجة أيام فاضلة قال فيها النبي - صلى الله عليه وسلم: «مَا مِنْ أَيَّامٍ الْعَمَلُ الصَّالِحُ فِيهَا أَحَبُّ إِلَى اللَّهِ مِنْ هَذِهِ الأَيَّامِ» يَعْنِى أَيَّامَ الْعَشْرِ. قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ وَلاَ الْجِهَادُ فِى سَبِيلِ اللَّهِ؟ قَالَ: ... «وَلاَ الْجِهَادُ فِى سَبِيلِ اللَّهِ إِلاَّ رَجُلٌ خَرَجَ بِنَفْسِهِ وَمَالِهِ فَلَمْ يَرْجِعْ مِنْ ذَلِكَ بِشَىْء ٍ» [1] .
وأما الذين قالوا: إن المراد بالليال العشر هي ليال عشر رمضان الأخيرة، فقالوا: إن الأصل في الليالي أنها الليالي وليست الأيام، وقالوا: أن ليال العشر الأخيرة من رمضان فيها ليلة القدر التي قال الله عنها [خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ] ، وقال: ... [إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ * فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ] (الدخان: 3، 4) .
وهذا القول أرجح من القول الأول، وإن كان القول الأول هو قول الجمهور، لكن اللفظ لا يسعف قول الجمهور، وإنما يرجح القول الثاني أنها الليالي العشر الأواخر من رمضان، وأقسم الله بها لشرفها، ولأن فيها ليلة القدر، ولأن المسلمين يختمون بها شهر رمضان الذي هو وقت فريضة من فرائض الإسلام وأركان الإسلام، فلذلك أقسم الله بهذه الليالي.
[وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ]
قيل: إن المراد به كل الخلق، فالخلق إما شفع وإما وتر، والله
عز وجل يقول: [وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ] (الذاريات: 49) والعبادات إما شفع وإما وتر، فيكون المراد بالشفع والوتر كل ما كان مخلوقًا من شفع ووتر، وكل ما كان مشروعًا من شفع ووتر، وقيل: المراد بالشفع الخلق كلهم، والمراد بالوتر الله عز وجل.
واعلم أن قوله والوتر فيها قراءتان صحيحتان (والوِتر) و (الوَتر) يعني لو قلت (والشفع والوِتر) صح، ولو قلت (والشفع والوَتْر) صح أيضًا، فقالوا
(1) أخرجه أبوداود، (باب فِى صَوْمِ الْعَشْرِ) ، (2440) ، وابن ماجة (باب صيام العشر) ، (1727) ، وقال الشيخ الألباني: صحيح.