[إِلاَّ ذِكْرٌ لِّلْعَلَمِينَ] ، ذكر يشمل التذكير والتذكّر، فهو تذكير للعالمين، وتذكر لهم، أي أنهم يتذكرون به ويتعظون به (والمراد بالعالمين) من بُعث إليهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كما قال الله تعالى: [وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ] (الأنبياء: 107) . وقال تعالى: [تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا] (الفرقان: 1) . فالمراد بالعالمين هنا من أرسل إليهم محمد - صلى الله عليه وسلم -.
[لِمَن شَآءَ مِنكُمْ أَن يَسْتَقِيمَ]
[لِمَن شَآءَ] هذه الجملة بدل مما قبلها لكنها بإعادة العامل وهي (إلا) أي: «إِلاَّ ذِكْرٌ لِّلْعَلَمِينَ * لِمَن شَآءَ مِنكُمْ أَن يَسْتَقِيمَ» وأما من لا يشاء الاستقامة فإنه لا يتذكر بهذا القرآن ولا ينتفع به كما قال تعالى: [إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ] ... (ق: 37) . فالإنسان الذي لا يريد الاستقامة لا يمكن أن ينتفع بهذا القرآن، ولكن إذا قال قائل: هل مشيئة الإنسان باختياره؟
نقول: نعم مشيئة الإنسان باخيتاره. فالله عز وجل جعل للإنسان اختيارًا وإرادة،
إن شاء فعل وإن شاء لم يفعل؛ لأنه لو لم يكن كذلك لم تقم الحجة على الخلق الذين أرسلت إليه الرسل بإرسال الرسل، فما نفعله هو باختيارنا وإرادتنا، ولولا ذلك ما كان لإرسال الرسل حجة علينا إذ أننا نستطيع أن نقول نحن لا نقدر على الاختيار، فالإنسان لا شك فاعل باختياره، وكل إنسان يعرف أنه إذا أراد أن يذهب إلى مكة فهو باختياره، وإذا أراد أن يذهب إلى المدينة فهو باختياره، وإذا أراد أن يذهب إلى بيت المقدس فهو باختياره وإذا أراد أن يذهب إلى الرياض فهو باختياره، أو إلى أي شيء أراده فهو باختياره لا يرى أن أحدًا أجبره عليه، ولا يشعر أن أحدًا أجبره على ذلك، كذلك أيضًا من أراد أن يقوم بطاعة الله فهو باختياره ومن أراد أن يعصي الله فهو باختياره، فللإنسان مشيئة. ولكن نعلم علم اليقين أنه ما شاء شيئًا إلا وقد شاءه الله من قبل. ولهذا قال:
[وَمَا تَشَآءُونَ إِلاَّ أَن يَشَآءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَلَمِينَ]