الصفحة 39 من 298

فهي نعمة من الله سبحانه وتعالى على قريش في هاتين الرحلتين؛ لأنه يحصل منها فوائد كثيرة ومكاسب كبيرة، أمرهم الله أن يعبدوا رب هذا البيت قال: ... [فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ] شكرًا له على هذه النعمة، أي فبهذه النعم العظيمة يجب عليهم أن يعبدوا الله.

والعبادة هي التذلل لله عز وجل بالسمع والطاعة محبة وتعظيمًا.

فإذا بلغه عن الله ورسوله أمر قال: سمعنا وأطعنا، وإذا بلغه خبر قال: سمعنا وآمنا، على وجه المحبة والتعظيم، فبالمحبة يقوم الإنسان بفعل الأوامر، وبالتعظيم يترك النواهي خوفًا من هذا العظيم عز وجل، هذا معنى من معاني العبادة.

وتطلق العبادة على نفس المتعبد به، كما حدّها شيخ الإسلام ابن تيمية ـ رحمه الله ـ بهذا المعنى فقال: (إن العبادة اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه، من الأقوال، والأعمال الظاهرة، والباطنة) [1] .

وقوله: [رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ] يعني به الكعبة المعظمة، وقد أضافها الله تعالى إلى نفسه تشريفًا وتعظيمًا في قوله تعالى: [وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ] (الحج: 26) . وهنا أضاف ربوبيته إليه على سبيل التشريف والتعظيم فقال: [رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ] . إذًا خصّصَ البيتَ بالربوبية مرة، وأضافه إلى نفسة مرة أخرى تشريفًا وتعظيمًا [2] .

قوله: [الَّذِى أَطْعَمَهُم مِّن جُوعٍ وَءَامَنَهُم مِّنْ خوْفٍ]

[الَّذِى أَطْعَمَهُم] هذه صفة للرب، ولهذا يحسن أن تقف فتقول ... [فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ] ثم تقول: [الَّذِى أَطْعَمَهُم] لأنك لو وصلت

(1) ينظر كتاب (العبودية) لشيخ الاسلام ابن تيمية، ص (1) .

(2) وفي آية ثانية قال: [إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَهَا] وبعدها قال: [وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ] احتراز من أن يتوهم واهم بأنه رب البلدة وحدها فقال: [وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ] ، ولكل مقام صيغة مناسبة، ففي قوله: [إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَهَا وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ] (النمل: 91) . مناسبة بيان عموم ملكه، لئلا يدعي المشركون أنه رب للبلدة فقط، أما هنا فالمقام مقام تعظيم للبيت فناسب ذكره وحده.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت