يعني وزن ذرة، والمراد بالذرة: صغار النمل كما هو معروف، وليس المراد بالذرة: الذرة المتعارف عليها اليوم كما ادعاه بعضهم، لأن هذه الذرة المتعارف عليها اليوم ليست معروفة في ذلك الوقت، والله عز وجل لا يخاطب الناس إلا بما يفهمون، وإنما ذكر الذرة لأنها مضرب المثل في القلة، كما قال الله تعالى: [إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا] (النساء: 40) .
ومن المعلوم أن من عمل ولو أدنى من الذرة فإنه سوف يجده، لكن لما كانت الذرة مضرب المثل في القلة قال الله تعالى [فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ] .
وقوله تبارك وتعالى: [مِثْقَالَ ذَرَّةٍ] يفيد أن الذي يوزن هو الأعمال، وهذه المسألة اختلف فيها أهل العلم على أقوال:
الأول: إن الذي يوزن العمل.
الثاني: إن الذي يوزن صحائف الأعمال.
الثالث: إن الذي يوزن هو العامل نفسه. ولكل دليل:
أما من قال: إن الذي يوزن هو العمل فاستدل بهذه الاية [فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ] لأن تقدير الاية فمن يعمل عملًا مثقال ذرة.
واستدلوا أيضًا بقول النبي - صلى الله عليه وسلم: «كَلِمَتَانِ حَبِيبَتَانِ إِلَى الرَّحْمَنِ خَفِيفَتَانِ عَلَى اللِّسَانِ ثَقِيلَتَانِ فِي الْمِيزَانِ سُبْحَانَ اللَّهِ وَبِحَمْدِهِ سُبْحَانَ اللَّهِ الْعَظِيمِ» [1] .
لكن يشكل على هذا أن العمل ليس جسمًا يمكن أن يوضع في الميزان بل العمل عمل انتهى وانقضى. ويجاب عن هذا بأن يقال:
أولًا: على المرء أن يصدق بما أخبر الله تعالى به ورسوله - صلى الله عليه وسلم - من أمور الغيب، وإن كان عقله قد يحار فيه، ويتعجب ويقول كيف يكون هذا؟ فعليه التصديق لأن قدرة الله تعالى فوق ما نتصور، فالواجب على المسلم أن يسلم ويستسلم ولا يقول كيف؟ لأن أمور الغيب فوق ما يتصور.
(1) أخرجه البخاري، (بَاب قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى [وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ] ) رقم (7563) .