يرى أن أحدًا أكمل منه، ولا يحس في قلبه أنه في غضاضة بالنسبة لمن هو أرقى منه وأكمل، قال الله تعالى: [لَا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلًا] (الكهف: 108) أي لا يبغون تحولًا عما هم عليه لأن الله قد أقنعهم بما أعطاهم فلا يجدون أحدًا أكمل نعيمًا منهم، ولهذا سمى الله تعالى هذه الجنات جنات عدن.
[تَجْرِى مِنْ تَحْتِهَا الاَنْهَرُ]
[مِنْ تَحْتِهَا] قال العلماء: من تحت قصورها وأشجارها وإلا فهو على سطحها وليس أسفل، إنما هو من تحت هذه القصور والأشجار، والأنهار التي ذكرها الله عز وجل هنا مجملة فصلها في سورة (محمد) فقال: [مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيهَا أَنْهَارٌ مِّن مَّاء غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِن لَّبَنٍ لَّمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِّنْ خَمْرٍ لَّذَّةٍ لِّلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِّنْ عَسَلٍ مُّصَفًّى] (محمد: 15) . وقد جاء في الآثار من وصف هذه الأنهار أنها تجري بغير أخدود وبغير خنادق، بمعنى أن النهر يجري على سطح الأرض يتوجه حيث وجهه الإنسان، ولا يحتاج إلى شق خنادق، ولا إلى بناء أخدود تمنع سيلان الماء يمينًا وشمالًا، وفي هذا يقول ابن القيم ـ رحمه الله ـ في كتابه النونية:
أنهارها من غير أخدود جرت ... سبحان ممسكها عن الفيضان
[خَلِدِينَ فِيهَآ أَبَدًا]
أي ماكثين فيها أبدًا، لا يموتون، ولا يمرضون، ولا يبأسون، ولا يألمون، ولا يحزنون، ولا يمسهم فيها نصب، فهم في أكمل النعيم دائمًا وأبدًا، أبد الابدين.
[رِّضِىَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ]
وهذا أكمل نعيم أن الله تعالى يرضى عنهم، فيحل عليهم رضوانه فلا يسخط بعده أبدًا، بل وينظرون إلى الله تبارك وتعالى بأعينهم كما يرون القمر ليلة البدر لا يشكون في ذلك، ولا يمترون في ذلك، ولا يتضامون في ذلك، أي لا ينضم بعضهم إلى بعض ليُريه الاخر، بل كل إنسان يراه في مكانه حسب ما أراد الله عز وجل.