حاجات الناس واختلاف بيئاتهم وتطور أعرافهم في معاملاتهم، حتى عَدَّ العلماء دليل العرف والعادة أصلًا جليلًا من الأصول الدلالية على الأحكام الشرعية، واليوم قد أضحى تجديد فقه المعاملات ضرورة فقهية نتيجة تغير البيئة التجارية والاقتصادية، حتى عز العلم بشأن مسائل ونوازل معاصرة تصل إلى ضرورات الناس، فضلًا عن حاجياتهم المعاصرة، وما لم يضطلع المؤهلون للقيام بدور التجديد لمجابهة هذه المتطلبات تخلفت الشريعة عن سياسة واقع الأمة، فكان التجديد -بهذا المعنى- ضرورة دينية وفريضة على الأمة عينًا أو كفاية بحسب محل التجديد.
وفيما يختص بالعبادات فإن العبادة صلة بين العبد وربه، وهي إنما شرعت لتجديد ما يَخْلَقُ من إيمان العبد نتيجة سعيه في الكسب وطلب المعاش والضرب في الأرض، وهنا يتجلي التجديد كضرورة تعيد للعبادات أثرها وحلاوتها في نفس المؤمن، بل ورفع إيمانه، كما ورد في الحديث قوله -صلى الله عليه وسلم-:"جددوا إيمانكم"، قيل: يا رسول الله، كيف نجدد إيماننا؟ قال: أكثروا من قول لا إله إلا الله" [1] ."
خامسًا: الاستناد إلى مبدأ التعاون على البر:
كما أن التجديد -بمعناه العام الشامل- يتمثل إعمال مفهوم التعاون على البر والتقوى [2] ، وهو مقصد كلي جليل دلت عليه نصوص الكتاب والسنة ومقاصدهما العامة، فإن الشريعة جاءت لتحقيق التعاون والائتلاف؛ ونفي ما يضاد ذلك من التنازع والاختلاف، والنصوص في ذلك كثيرة، منها قوله تعالى: (وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللّهِ جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاء فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا) [3] ، وقوله تعالى: (وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ) [4] ، فعلم بهذا أن من موارد أصالة التجديد في الشريعة قيامه على مقصد التعاون في الشريعة الإسلامية.
سادسًا: الاستناد إلى تحقيق مقاصد الشريعة:
من دلائل مشروعية التجديد: أنه يستهدف تحقيق مقاصد الشريعة -من جهتي الأوامر
(1) روا أحمد في مسنده (2/ 359) .
(2) انظر: الأدلة الواردة في"باب التعاون على البر والتقوى"رقم (21) من كتاب رياض الصالحين للنووي، ص 121 - 123.
(3) آل عمران 103.
(4) المائدة 2.