المجال الخامس
التجديد في أثر العرف على الأحكام الشرعية
للعقود والمعاملات المالية
يعتبر دليل"العرف والعادة"أحد أبرز الأدلة الأصولية التبعية التي يعول عليها الفقهاء في فهم دلالات النصوص الشرعية مقرونة بواقعها على اختلاف القرائن والأحوال، وعلى الصعيد الفقهي، فقد عدّ الفقهاء القاعدة الكلية"العادة محكمة" [1] إحدى أهم قواعد الفقه الكلية الكبرى التي يرجع إليها في ضبط تطبيقات الشرع في الواقع.
ومعنى كون دليل العرف دليلًا تبعيًا أنه إنما يعمل به عند الضرورة وانعدام ما هو مقدم الرتبة عليه من الأدلة كالقرآن والسنة حال التعارض، فالاصطلاحات والأحكام الواردة في النصوص الشرعية (قرآنًا أو سنة) تفسرها النصوص الشرعية نفسها ما أمكن، فإن تعذر ضبط مدلول المصطلح الشرعي من ذات النصوص الشرعية صرنا إلى لغة العرب التي ورد الشرع المطهر بلسانها، فإن عدمنا ضابط المصطلح في الشرع واللغة صرنا -اضطرارا- إلى إعمال دليل العرف والعادة في تفسير المصطلح، ويمكننا ضبط هذه القاعدة بقولنا:"ما ورد به الشرع يصار إلى ضابطه فيه، فإن عدم فاللغة، وإلا فالعرف" [2] .
ومن التطبيقات المشهورة في الفقه الإسلامي لدليل العرف وأثره في فقه المعاملات المالية: المصطلحات التالية: القبض، والغرر، ومنه: الجهالة، ومجلس العقد، والتفرق عنه، وصلاح الثمر، واشتداد الحب، وحول أثر العرف في التطبيقات المشار إليها يقول ابن قدامة: (ولنا أن الله أحل البيع ولم يبين كيفيته؛ فوجب الرجوع فيه إلى العرف، كما رجع إليه في القبض والإحراز والتفرق، والمسلمون في أسواقهم وبياعاتهم على في ذلك) [3] .
ومنها أيضًا: ضابط النقد والمال، وضابط العيب المؤثر، والرجوع إلى الخبراء في تقدير الحقوق من جهة الأموال والأعمال، وحدود التعدي والتقصير في عقود المقاولات والأمانات ونحوها، وفي
(1) انظر: شرح الكوكب المنير للفتوحي 4/ 448.
(2) المصدر السابق 4/ 452 - 453.
(3) المغني 3/ 481.