فهرس الكتاب

الصفحة 55 من 91

هذا المعنى يقول القرافي: (الأحكام المترتبة على العوائد تدور معها كيفما دارت، فتبطل معها إذا بطلت، كالنقود في المعاملات، والعيوب في الأعراض في البياعات ونحو ذلك، فلو تغيرت العادة في النقد، والسكة إلى سكة أخرى لحمل الثمن في البيع عند الإطلاق على السكة التي تجددت العادة بها دون ما قبلها، وكذلك إذا كان الشيء عيبًا في الثياب في عادة رددنا به المبيع، فإذا تغيرت العادة وصار ذلك المكروه محبوبًا موجبًا لزيادة الثمن لم ترد به، وبهذا القانون تعتبر جميع الأحكام المرتبة على العوائد، وهو تحقيق مجمع عليه بين العلماء، لا خلاف فيه) [1] .

وقال أيضًا -رحمه الله-: (إن كل ما في الشريعة يتبع العوائد، يتغير الحكم فيه عند تغير العادة إلى ما تقتضيه العادة المتجددة .. ألا ترى أنهم أجمعوا على أن المعاملات إذا أطلق فيها الثمن يحمل على غالب النقود، فإذا كانت نقدًا معينًا حملنا الإطلاق عليه، فإذا انتقلت العادة إلى غيره عينا انتقلت العادة إليه وألغينا الأول؛ لانتقال العادة عنه، وكذلك الإطلاق في الوصايا والأيمان وجميع أبواب الفقه المحمولة على العوائد إذا تغيرت العادة تغيرت الأحكام في تلك الأبواب) [2] .

وقال مصطفى الرزقا في مدخله: (قد اتفقت كلمة فقهاء المذاهب على أن الأحكام التي تتبدل بتبدل الزمان وأخلاق الناس هي الأحكام الاجتهادية من قياسية ومصلحية، هي: التي قررها الاجتهاد بناء على القياس أو على دواعي المصلحة ... أما الأحكام الأساسية التي جاءت الشريعة لتأسيسها وتوطيدها بنصوصها الأصلية الآمرة الناهية؛ كحرمة المحرمات المطلقة، وكوجوب التراخي في العقود، والتزام الإنسان بعقده، وضمان الضرر الذي يلحقه بغيره، وسريان إقراره على نفسه دون غيره، ووجوب منع الأذى، وقمع الإجرام، وسد الذرائع إلى الفساد، وحماية الحقوق المكتسبة، ومسؤولية كل مكلف عن عمله وتقصيره، وعدم مؤاخذة بريء بذنب غيره، إلى غير ذلك من الأحكام، والمبادئ الشرعية الثابتة التي جاءت الشريعة بتأسيسها، ومقاومة خلافها، فهذه لا تتبدل بتبدل الأزمان، بل هي الأصول التي جاءت بها الشريعة لإصلاح الأزمان والأجيال، ولكن وسائل تحقيقها وأساليب تطبيقها قد تتبدل باختلاف الأزمنة المحدثة) [3] .

(1) الفروق، وبهامشه أنوار الشروق وتهذيب الفروق 1/ 276.

(2) معين الحكام ص 126، وانظر: الإحكام في تمييز الفتاوى من الأحكام ص 231.

(3) المدخل الفقهي العام .. مصطفى أحمد الزرقا 2/ 924.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت