المجال الأول
التجديد في المنطلقات المنهجية
للحكم الشرعي على المعاملة المالية
ونريد بالمنطلقات -ههنا- تلك الأسس والمصادر واجبة الاعتبار ضمن عناصر المنهجية المثلى في فقه المعاملات المالية المعاصرة، وقبل الشروع في بيان تلك المنطلقات والأسس أرى أنه من المناسب التقديم بمراتب الاستدلال الفقهي، ذلك أن المتفحص لمدونات الفقه الإسلامي في مجال المعاملات المالية ليلحظ بروز ثلاث مراتب في منهجية الاستدلال الفقهي، ويمكننا تجلية الفصل بين هذه المراتب على النحو التالي:
أولًا: المنهج الفقهي العام: وحاصله: أن الفقهاء المتقدمين قد دونوا فقه المعاملات المالية وفق منهجية واضحة، تقوم على أساس تصنيف وإفراد العقود والمعاملات المالية الرئيسة في أبواب وفصول خاصة، ثم دراسة ما يتضمنه كل عقد أو معاملة من الأحكام التفصيلية التابعة.
ثانيًا: المنهج الاستدلالي العام: وحاصله أن الفقهاء في طريقهم إلى استنباط أحكام فروع المعاملات المالية إنما ينطلقون من أصول الاستدلال العامة في الشريعة الإسلامية، والمتمثلة في العلوم الدلالية الثلاثة؛ وهي: أصول الفقه، والقواعد الفقهية، والمقاصد الشرعية، بيد أن هذا المنهج الاستدلالي العام لا يقتصر على فقه المعاملات المالية فقط، إنما هو منهج عام لجميع أبواب الفقه الإسلامي ومسائله، والتي منها -بطبيعة الحال- فقه المعاملات المالية.
ثالثًا: المنهج الاستدلالي الخاص: وهو ما يمكن أن نصطلح عليه باسم"منهجية الضوابط"، وحاصله: أن الفقهاء كانوا يتبعون مجموعة من الأصول والضوابط الشرعية في فقه المعاملات المالية؛ يتوصلون بها إلى الحكم على المعاملات والمسائل المالية التي تعرض لهم، وليس عسيرًا أن يقف الناظر في مطولات الفقه المذهبي وشروحاته على ملامح هذا المنهج الاستدلالي الخاص الذي أسميناه"منهجية الضوابط"؛ لاسيما في أثناء التقرير والمناقشة والترجيح.