إذا اتضحت لنا المعالم السابقة -كمدخل ضروري لازم الاعتبار- أمكننا البناء عليها ببيان الأسس والمنطلقات المنهجية اللازمة للمجتهد حال طلبه الوصول إلى الحكم الشرعي للمعاملة المالية، فسأتناول بيان ما تشتمل عليه تلك المنطلقات من خلال استعراض الأسس الأربعة التالية:
الأساس الأول
رعاية النصوص الشرعية
لقد جاءت النصوص الشرعية وافية بالمسائل والنوازل -بطريق النص أو المعنى- كما قال تعالى: (مَّا فَرَّطْنَا فِي الكِتَابِ مِن شَيْءٍ) [1] ، وقوله: (وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِّكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى) [2] ونظائرهما، وفي الحديث:"تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما تمسكتم بهما، كتاب الله وسنتي" [3] .
وإن المتعين على الفقيه -قديمًا وحديثًا- اعتبار النصوص الشرعية ذات الصلة بالمعاملات المالية المستجدة، وإعادة استثمارها طبقا للقواعد الأصولية في الاستدلال والاستنباط مما يحقق الجواب على النازلة المسؤول عنها، فإن تعظيم العناية بالنصوص على الوجه الأمثل تفضي إلى إصابة الحق وتحصيل المصالح الدينية والدنيوية، قال الزركشي: (وعلى فقيه النفس ذي الملكة الصحيحة تتبع ألفاظ الوحيين؛ الكتاب والسنة، واستخراج المعاني منهما، ومن جعل ذلك دأبه وجدها مملوءة، وورد البحر الذي لا ينزف) [4] ، وإن تقصير الفقيه في اعتبار النصوص أو التساهل في التعويل عليها -جمعًا ودراسة واستنباطًا- يقتضي الإخلال بالحكم الشرعي للمعاملة المالية، ومن ثم يحصل من الفساد الديني والدنيوي بحسب ذلك التقصير والإخلال، كما أكد ابن تيمية هذا المعنى بقوله: (لكن اعتبار مقادير المصالح والمفاسد هو بميزان الشريعة فمتى قدر الإنسان على اتباع النصوص لم يعدل عنها، وإلا اجتهد رأيه لمعرفة الأشباه والنظائر، وقل أن تعوز النصوص من يكون خبيرًا بها وبدلالاتها على الأحكام) [5] .
وبالجملة فإن المجتهد أو الفقيه مطالب بالاعتصام بنصوص الشريعة وعدم التحول عنها ما
(1) الأنعام 38.
(2) النحل 89.
(3) رواه مسلم (2/ 886) ح (1218) .
(4) البحر المحيط للزركشي 6/ 233.
(5) الاستقامة لابن تيمية 2/ 217.