أمكن إلا لضرورة، كما قال الزركشي: (والحاصل أنه لابد أن يكون محيطًا بأدلة الشرع في غالب الأمر، متمكنًا من اقتباس الأحكام منها، عارفا بحقائقها ورتبها، عالمًا بتقديم ما يتقدم منها وتأخير ما يتأخر، وقد عبر الشافعي -رحمه الله- عن الشروط كلها بعبارة وجيزة جامعة فقال:"من عرف كتاب الله -نصًا واستنباطً- استحق الإمامة في الدين") [1] .
الأساس الثاني
رعاية قواعد الاستنباط وأدواته
إن الاستثمار الأمثل للنصوص لا يتحقق إلا إذا بني على قوانين استنباط وأصول معتبرة عند الأصوليين، فيتعين على المجتهد في حكم المعاملة المالية أن يكون ريان ذا دربة ودراية -بالفعل أو بالقوة القريبة- في تطبيق القواعد الأصولية على النصوص الشرعية وصولا إلى استنباط الأحكام الشرعية منها، قال الزنجاني: (والأدلة التي يستفاد بها هذه الأحكام هي التي تسمى"أصول الفقه"، ثم لا يخفى عليك أن الفروع إنما تبنى على الأصول، وأن من لا يفهم كيفية الاستنباط ولا يهتدي إلى وجه الارتباط بين أحكام الفروع وأدلتها -التي هي أصول الفقه- لا يتسع له المجال، ولا يمكنه التفريع عليها بحال، فإن المسائل الفرعية على اتساعها وبعد غاياتها لها أصول معلومة وأوضاع منظومة، ومن لم يعرف أصولها لم يحط بها علما) [2] .
وقوانين الاستنباط وقواعده يمكن إرجاعها إلى ثلاثة فروع رئيسة كلها تنسب إلى الفقه، وهي: علم أصول الفقه، وعلم القواعد الفقهية، وعلم المقاصد الشرعية، وعلى هذا فإن أي اجتهاد استنباطي في النصوص يكون بمعزل عن أحد هذه العلوم الثلاثة فإنه اجتهاد محكوم عليه بالاختلال في المنهج والقصور في المسلك، حتى وإن أصاب المجتهد عين الحق في المسألة.
الأساس الثالث
رعاية التراث الفقهي
إن عمق التراث الفقهي وأصالته يحمل في طياته العديد من جوانب المنهجية المثلى في تطبيق
(1) البحر المحيط للزركشي 6/ 205.
(2) تخريج الفروع على الأصول للزنجاني ص 34.