فهرس الكتاب

الصفحة 34 من 91

النصوص الشرعية على الحوادث والنوازل التي عاصرها فقهاؤنا المتقدمون على اختلاف أزمنتهم وتباين بيئاتهم وعوائدهم، فالمنهج الذي اتبعه فقهاؤنا الأولون يتجلى فيه -من حيث العموم- عنايتهم بالنصوص الشرعية -جمعًا وتوثيقًا واستنباطه لفقهها وأحكامها- وفق قواعد وقوانين الاستنباط، كما يدخل في ذلك مصنفات الأئمة في آيات وأحاديث الأحكام وما عليها من شروح، فضلًا عن مصنفات الفقه بمذاهبها المختلفة، حتى رأينا سعي بعض العلماء في الكشف عن مدى عمق المنهجية المتبعة في فقه المتقدمين فأفردوا في ذلك المصنفات في"تخريج الفروع على الأصول"، وفيها تذكر القاعدة الأصولية -أو الفقهية أحيانًا- ثم تفرع الفروع الفقهية تخريجًا عليها، وسواء أكان هذا التفريع مقارنًا بين أكثر من مذهب فقهي، أو كان التفريع في إطار مذهب فقهي معين.

ومادمنا في معرض بيان أهمية العلم بمسالك الفقهاء المتقدمين لطالب فقه المعاملات المالية المعاصرة فإنه يجدر بنا الوقوف على خلاف الأصوليين في اشتراط علم المجتهد بالفروع الفقهية، فقد اختلفوا على أقوال: طرفين ووسط [1] : فذهبت طائفة إلى اشتراط ذلك، ومنعه جمهورهم، والقول الوسط المحقق في ذلك: أن من قال بالاشتراط يُحمل قوله على معنى اشتراط ممارسة الفقه والدربة فيه، لا العلم بمعنى الإحاطة التامة بتفاريع الفقه على وجه التفصيل، فإن هذا من تكليف ما لا يطاق، وهو ممنوع، كما أن الذين منعوا هذا الشرط اقروا بأهمية العلم بالفروع للمجتهد، لاسيما في تحصيل الدربة على الاستنباط وصقل الملكة الفقهية.

فالغزالي حين منع اشتراطه -تبعًا للجمهور- قال: (نعم إنما يحصل منصب الاجتهاد في زماننا بممارسته، فهو طريق تحصيل الدربة في هذا الزمان) [2] ، وكذلك الطوفي فإنه مع قوله بالمنع [3] -أيضًا- إلا أنه أقر بضرورة النظر في اجتهادات الفقهاء السابقين في تفاريع الفقه، كما بَيَّن الفائدة من نقل وتدوين الأقوال والروايات المتعددة عن الإمام الواحد في المسألة الواحدة بقوله: (قد كان القياس أن لا تدون تلك الأقوال، وهو أقرب إلى ضبط الشرع، إذ ما لا عمل عليه لا حاجة إليه؛ فتدوينه تعب محض، لكنها دونت لفائدة أخرى، وهي التنبيه على مدارك الأحكام،

(1) منعه جمهور الأصوليين، ونقل اشتراطه عن أبي إسحق وأبي منصور .. وانظر: البحر المحيط للزركشي 6/ 205، الآيات البينات للعبادي 4/ 341، إرشاد الفحول للشوكاني ص 422.

(2) المستصفى للغزالي ص 344.

(3) شرح مختصر الروضة للطوفي 3/ 582.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت