فهرس الكتاب

الصفحة 35 من 91

واختلاف القرائح والآراء، وأن تلك الأقوال قد أدى إليها اجتهاد المجتهدين في وقت من الأوقات، وذلك مؤثر في تقريب الترقي إلى رتبة الاجتهاد المطلق أو المقيد، فإن المتأخر إذا نظر إلى مآخذ المتقدمين نظر فيها وقابل بينها فاستخرج منها فوائد، وربما ظهر له من مجموعها ترجيح بعضها، وذلك من المطالب المهمة، فهذه فائدة تدوين الأقوال القديمة عن الأئمة) [1] .

وعليه يحمل ما أثر من إطلاقات العلماء في ذلك، من جنس قولهم:"العلم معرفة الخلاف" [2] ، وقول قتادة: من لم يعرف الاختلاف لم يشم أنفه الفقه [3] ، ولما سئل الإمام أحمد عن اشتراط علم المفتي بقول من تقدمه؛ قال: (ينبغي لمن أفتى أن يكون عالمًا بقول من تقدم، وإلا فلا يفتي) [4] .

وعلى هذا فيلزم المجدِّد المعاصر في المعاملات المالية أن يكون بصيرًا في التراث الفقهي المذهبي، لما زخر به من تطبيقات عملية على النصوص الشرعية؛ بغرض استنباط أحكام المعاملات المالية في زمانهم، مما يعد تدريبًا عمليًا للمجتهدين والمجدِّدين في الأعصار المتأخرة، فإن ما لا يتم المطلوب إلا به فهو مطلوب.

الأساس الرابع

رعاية فقه الواقعة

إن مما يتعين على المجتهد في فقه المعاملات المالية المعاصرة أن يقوم بواجب التثبت من واقع المعاملة وماهيتها وبساط حالها، لاسيما إذا كان يكتنفها الإبهام والالتباس في الصورة الحقيقية، فإن الحكم على الشيء فرع عن تصوره، ومهما أفتى المجتهد في المعاملة المسئول عنها بمعزل عن دَرْكِ واقعها كان ذلك منه اختلالًا في المنهج وخطأً في طريق الاستنباط، وإن أصاب.

وهذا يستلزم أن يكون المجتهد بصيرًا في اصطلاحات الناس؛ في عقودهم وشروطهم وعباراتهم وأعرافهم، وأن يكون معتصمًا بالتفصيل والتقييد، حَذِرًا من داء إطلاقات الأحكام، مُتَيَقِّظًا من تورية السائل عليه؛ ليصيب منه غرض الفتوى على ما يشتهي ويهوى.

(1) المصدر السابق 3/ 626.

(2) الموافقات للشاطبي 4/ 116 - 117.

(3) المصدر السابق 4/ 116 - 117.

(4) إعلام الموقعين لابن القيم 4/ 205.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت