قال ابن القيم: (والمقصود التنبيه على وجوب التفصيل إذا كان يجد السؤال محتملًا، فكثيرًا ما يقع غلط المفتي في هذا القسم، فالمفتي ترد إليه المسائل في قوالب متنوعة جدًا فإن لم يتفطن لحقيقة السؤال وإلا هلك وأهلك، فتارة تورد عليه المسألتان صورتهما واحدة وحكمهما مختلف، فصورة الصحيح والجائز صورة الباطل والمحرم، ويختلفان بالحقيقة فيذهل بالصورة عن الحقيقة فيجمع بين ما فرق الله ورسوله بينه، وتارة تورد عليه المسألتان صورتهما مختلفة وحقيقتهما واحدة وحكمهما واحد، فيذهل باختلاف الصورة عن تساويهما في الحقيقة، فيفرق بين ما جمع الله بينه، وتارة تورد عليه المسألة مجملة تحتها عدة أنواع فيذهب وهمه إلى واحد منها ويذهل عن المسؤول عنه منها فيجيب بغير الصواب، وتارة تورد عليه المسألة الباطلة في دين الله في قالب مزخرف ولفظ حسن فيتبادر إلى تسويغها وهي من أبطل الباطل، وتارة بالعكس، فلا إله إلا الله كم هاهنا من مزلة أقدام ومجال أوهام ... وأكثر الناس نظرهم قاصر على الصور لا يتجاوزونها إلى الحقائق، فهم محبوسون في سجن الألفاظ مقيدون بقيود العبارات ... وسبحان الله كم توصل بهذه الطرق إلى إبطال حق وإثبات باطل، وأكثر الناس إنما هم أهل ظواهر في الكلام واللباس والأفعال) [1] .
وخلاصة هذا المجال: أن التصدي لرتبة التجديد -بمعناه الخاص وهو الاجتهاد العام أو بمعناه الأخص وهو الاجتهاد في فقه المعاملات المالية- يتطلب جودة اعتبار المنطلقات المنهجية بأسسها الأربعة المذكورة، فإن الضعف في تحصيلها -كلًا أو جزءًا- يورث النقص والخلل في منهجية الاجتهاد والتجديد في العصر الحديث، والواجب إعلان تلك الأسس المنهجية وإشاعتها وتأهيل ذوي الاختصاص بمحتواها؛ تحصيلا لما لا يتم الواجب إلا به.
(1) إعلام الموقعين لابن القيم 4/ 192 - 194.