لما كانت شريعة الإسلام هي خاتمة الرسالات، وهي الدين الذي أكمله الله وارتضاه للعالمين، وصاحب الشريعة محمد -صلى الله عليه وسلم- هو خاتم الأنبياء والمرسلين، فقد كان من ضرورة ذلك اتصاف هذه الرسالة بخصائص من الشمول والبقاء والمعاصرة في ظل ثوابت محكمة تجعلها صالحة للتطبيق واستيعاب ما يستجد في ميادين الحياة على مر الأزمان وتبدل الأحوال، فليست تنزل بأحد من أهل دين الله نازلة إلا وفي كتاب الله الدليل على سبيل الهدى فيها [1] .
وإن فقه المعاملات المالية -باعتباره نوعًا متخصصًا من أنواع الفقه الإسلامي- لا يخرج في استمداد أحكامه واستنباطها عن الأصول الشرعية، بيد أن مرحلة الجمود التي اعترت فقه المعاملات المالية -طيلة قرون مضت- قد ألقت عليه سمات من البعد والإغراب عن الواقع المعاصر في العديد من جوانبه وتطبيقاته، كما بات الفقيه المعاصر يواجه العديد من المشكلات الفقهية المعاصرة، وحين يعمد إلى مصادر الفقه الإسلامي فلا يجدها حاضرة الجواب عما يشكل عليه من جديد المسائل والمعاملات المركبة أو المتداخلة، مما اقتضى من الفقهاء المعاصرين السعي نحو بناء فقه معاصر للمعاملات المالية يستند إلى أصول الاستدلال الشرعي، كما يأخذ بعين الاعتبار مقررات فقه المعاملات المالية ومساراته في ظل معطياته المعاصرة، وذلك جمعا بين الأصالة والمعاصرة.
ولقد نجح الفقهاء المعاصرون نجاحًا كبيرًا في ترشيد المعاملات المالية المعاصرة؛ وذلك من خلال أعمال البنوك وشركات التمويل وشركات الاستثمار بأنواعها وشركات التأمين؛ مما جدد الإيمان بصلاحية الشريعة وقدرتها على استيعاب مستجدات المعاملات المالية المعاصرة بصورة عملية وذات كفاءة عالية، بل وحَمَل العديد من المؤسسات المالية التقليدية (الربوية) على السير في ركاب الفقه الإسلامي وقَفْوِ آثاره والأخذ بتطبيقاته في المعاملات المالية المعاصرة، هذا إلى جانب
(1) الرسالة للشافعي ص 20 فقرة 48.