فهرس الكتاب

الصفحة 24 من 91

يشترط له بلوغ تلك الرتبة، وكذا الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر، والناصح لله ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم، فكل أولئك -وأمثالهم- لا يتعين عليهم بلوغ رتبة الاجتهاد الأصولي حتى يصلح منهم أداء الوظائف الشرعية التي ندبهم الشرع إليها؛ لتجديد الدين وتحقيق الشريعة في واقعها، وإنما الشرط فيمن يتصدى للتجديد -وفق هذه الرتبة- أن يكون متحليا بسَنَن الشريعة مقتفيا هديها، حتى تكون الشريعة له شعارا يعرف به، وسجية ينتظمها في سيرته، فهذا من جهة ذات المجدِّد في هذه الرتبة.

وأما الشرط بالنسبة إلى موضوع التجديد ههنا فهو توافر مبدأ"استصحاب الترشيد الشرعي"، ومعناه: أن يكون منهج التجديد وأثره موافقا لنصوص الشريعة وقواعدها ومقاصدها، فلا يقع على وجه مصادم لها في نص أو إجماع، ومقتضى هذا الشرط الرجوع إلى أهل الذكر وسؤالهم عما يشكل تبصرة واسترشادا؛ تحقيقا للشرط في قوله تعالى: (فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ) [1] ، فإن من سوى العلماء لا يمكن لهم طلب الحكم الشرعي بدليله على الوجه المعتبر، فلزم الرجوع إلى ذوي الاختصاص من أهل الذكر في ذلك، فنخلص مما سبق إلى أن الشرط حال"تجزؤ التجديد"أن يكون مؤيَّدا بنظر أهل الذكر والبصيرة في الدين، صونا لهذا النوع من التجديد أن يأتي بما يناقض نصوص الشريعة وأصولها ومقاصدها، في حين يحسب فاعله أنه ممن يحسنون صنعًا.

قال ابن الأثير في تفسير المجدِّد في الحديث: (ولا يختص أيضا بالفقهاء فإن انتفاع الأمة بهم وإن كان كثيرًا فانتفاعهم بأولي الأمر وأصحاب الحديث والقراء والوعاظ والزهاد -أيضًا- كثير، إذ حفظ الدين وقوانين السياسة وبث العدل وظيفة أولي الأمر، وكذا القراء وأصحاب الحديث ينفعون بضبط التنزيل والأحاديث التي هي أصول الشرع وأدلته، والوعاظ ينفعون بالمواعظ والحث على لزوم التقوى، لكن المبعوث بشرط أن يكون مشارًا إليه في كل فن من هذه الفنون) [2] ، فعلم من ذلك أنه يلزم في المجدد رعاية دربته واشتهاره في التجديد المنضبط بالشرع، ولو انحصرت

(1) النحل 43.

(2) عون المعبود (11/ 386) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت