بهذا أن الواجب البياني للربا في العصر الحديث يقتضي تقسيم الربا إلى ديون وبيوع، ثم التركيز على بيان أنواع ربا الديون وتفصيل أحكامها طبقًا لواقعنا الاقتصادي المعاصر، والذي يقوم -في معظمه- على كبيرة الربا.
على أنني أؤكد بأن ربا الديون (أو القروض) حقه الإظهار أصالة؛ لشهرته وخطورته وفشوه في الجاهلية، ولتنزّل القرآن الكريم في التحذير منه، حتى سماه بعض العلماء الربا الجلي [1] ، والربا الحقيقي [2] ، وفي زماننا لا يكاد يعرف الربا إلا به -أعني ربا القروض-، وقد عمت به البلوى في البلاد قاطبة، فكان من ضرورات التجديد مراعاة الانحراف الحاصل في العرف المالي المعاصر، وتجديد خطابنا البياني في التعريف بالربا، تبعًا لتجدد العرف في ذلك.
وقد أفضى التمسك بالتقسيم الشائع للربا في كتب الفقه المتقدمة -فضل ونسيئة- إلى تعزيز سلبيات فقهية معاصرة في ظل الواقع الربوي العام في العصر الحديث، وبات من غير المستغرب والحالة هذه أن تتأثر بعض الفتاوى بهذا الواقع الاقتصادي المخالف لمحكمات الشريعة الإسلامية ونصوصها المتكاثرة، حيث ظن بعض المفتين بإباحة صور من ربا القروض المعاصرة أن لهم مندوحة فيما أثر من بعض الصحابة بشأن التيسير في ربا الفضل الواقع في البيوع، مما سوغ استصحاب ذلك الخلاف في إباحة كبيرة ربا الديون (أو القروض) التي هي محل إجماع السلف والخلف قاطبة، فصح لنا بهذا أن الواجب على المجتهدين والباحثين الحذر والتحذير من التأثر بهذا الواقع الاقتصادي الرسمي غير الشرعي، والعمل على تحويله بفقه وعلم وحكمة إلى أن يتطابق أو يتوافق مع أحكام الشريعة الإسلامية.
وخلاصة هذا المجال: بيان ضرورة التجديد برعاية العرف وأثره البالغ في مادة فقه المعاملات المالية، أصولها وفروعها ومقاصدها، بل وطريقة عرضها وأساليب بيانها للمتعلمين وعموم المسلمين.
(1) انظر: إعلام الموقعين لابن القيم (2/ 135) .
(2) انظر: حجة الله البالغة لولي الله الدهلوي (2/ 106) .