فهرس الكتاب

الصفحة 59 من 91

الحديث لعموم البلوى به، وحاصله:"وجوب مراعاة البيان الفقهي المناسب للواقع الاقتصادي المعاصر والذي تحولت فيه كبيرة الربا إلى تشريع ونظام عام يسود الاقتصاديات المعاصرة"، وبيان ذلك فيما يلي:

إن تقسيم الربا في عامة مدونات الفقه الإسلامي يدور بين ربا الفضل وربا النسيئة، وهذا منهج في التقسيم يتناسب مع بساط الحال وظروف الواقع العملي بعد بعثة النبي -صلى الله عليه وسلم- وطيلة الأزمنة المتعاقبة في تاريخ الخلافة الإسلامية، حيث كان التشريع العملي والنظام العام للدولة الإسلامية والإجماع الفقهي المتواتر كلها مُطْبِقَةٌ على تحريم الربا وتجريم فاعليه؛ لارتكابهم جريمة من أكبر الكبائر في شريعة الإسلام.

أما في العصر الحديث فقد استحالت كبيرة الربا نظامًا عامًا متبعًا؛ وصار أخذ الزيادة الظالمة تشريعًا رسميًا دوليًا مقننًا؛ يعترف به القضاء التجاري، وتؤازه الضرورة الاقتصادية المزعومة، وقد لاحظ الباحث أن من الفقهاء المعاصرين من لا يزال -في ظل الواقع الذي وصفته- يطرح موضوع الربا بقسميه: الفضل والنسيئة [1] ، فيُسهم بذلك في تعميق الفجوة -أو الجفوة- لدى المتعلمين والعامة تجاه فقه الربا في العرف المعاصر، وأن من فقه العرف المعاصر أن يقدم الربا طبقًا لقسمته الملائمة لواقع الحال في العصر الحديث، وهي اتفاق الفقهاء على وجود الربا في بابين هما: ربا الديون (أو القروض) وربا البيوع (وهي الأصناف الربوية) ، وفي ذلك يقول ابن رشد: (اتفق العلماء على أن الربا في شيئين: في البيع، وفيما تقرر في الذمة؛ من بيع أو سلف أو غير ذلك) [2] .

والحق أن التجديد المشار إليه في تقسيم الربا إلى ديون وبيوع؛ هو الأرجح شكلًا وموضوعًا، والأنفع بيانًا، والألصق بالمنهجية المعاصرة لفقه المعاملات المالية؛ ذلك أن الاتجاه الأول -الذي يقسم الربا إلى فضل ونسيئة- بالرغم من وضوحه ومناسبته لواقع الفقهاء المتقدمين، حيث كان الربا في النظام العام آنذاك يعد كبيرة وإثمًا، إلا أن تناول الربا -وفق هذا الاتجاه- في عرفنا المعاصر مما يوقع الباحثين في إشكالات وعقبات في الفهم والتصور، فضلًا عن المتعلمين والعامة، فصح

(1) التدابير الواقية من الربا د. فضل إلهي ص 26 - 27.

(2) بداية المجتهد لابن رشد (2/ 128) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت