وما وجه أصحاب المذهب الثاني مذهبهم به، لا يقوم حجة لهم على ما ذهبوا إليه، فإن قوله تعالى: هٍوّ أّعًلّمٍ بٌكٍمً إذً أّنشّأّكٍم مٌَنّ الأّرًضٌ $ّّإذً أّنتٍمً أّجٌنَّةِ فٌي بٍطٍونٌ أٍمَّهّاتٌكٍمً، لم يرد لبيان حقيقة الجنين، وإنما ورد لبيان كمال علم الله تعالى بخلقه، وأنه لا يعزب عنه مثقال ذرة من حقيقة خلقهم وأعمالهم، وأن علمه محيط بذلك كله، ويدل لهذا سياق الآية الكريمة، ولو افترضنا فرضًا جدليًا أن الآية سيقت لبيان أن الجنين هو ما يكون في بطن أمه الحاملة له، إلا أن هذا لم يرد في الآية على سبيل الحصر، ولم تنف الآية وجود جنين لم يتكون في رحم أمه، بل إنه لا يبعد أن يكون التعبير القرآني في هذا السبيل قد خرج مخرج الغالب، كقوله تعالى: $ّرّبّائٌبٍكٍمٍ پلاَّتٌي فٌي حٍجٍورٌكٍم مٌَن نٌَسّائٌكٍمٍ پلاَّتٌي دّخّلًتٍم بٌهٌنَّ (1) ، مع أن ابنة الزوجة المدخول بها تحرم على زوج أمها مطلقًا، سواء كانت ربيبة أو لا، كذلك فإن لفظة"جن"تطلق على ما استتر، حتى سمي الجن بذلك لاستتارهم، إلا أن هذا لا ينفي أن يسمى الجن بذلك وإن ظهروا وأمكن رؤيتهم، لقدرتهم على التشكل بالأشكال القبيحة وظهورهم على هذه الصور للناس، كما أن الجنين في داخل رحم أمه يسمى جنينًا، وإن أمكن رؤيته بالمنظار الرحمي، أو بالموجات فوق الصوتية، أو نحو ذلك، وهذا يقتضي أن يكون إطلاق هذه اللفظة على الجنين تبعًا للغالب من أحواله، وهو عدم رؤيته لاستتاره في رحم أمه، كما أطلقت لفظة الجن عليهم تبعًا لغالب أحوالهم، فالجن أو الاجتنان إطلاق لغوي على كل ما لا يرى في أغلب أحواله، وإن كان يرى في بعضها، ومن هذا البعض الأجنة الناتجة من إخصاب الخلايا الجنسية قبل نقلها إلى رحم المرأة ·
وقولهم إن حدوث الحمل إنما يكون بعد انغراز البييضة في جدار الرحم وتعلقها، قول ينازعهم فيه كثير من الفقهاء القدامى والمعاصرين، ومن القدامى الإمام الغزالي الذي قال: >إن النطفة هي أول مراحل الوجود، من حيث وقوعها في رحم الأم، إذ الولد لا يخلق من مني الرجل وحده، بل من الزوجين جميعًا·· وكما أن النطفة في الفقار لا يتخلق منه الولد، فكذلك بعد الخروج من الإحليل، ما لم يمتزج بماء المرأة ودمها< (1) ، فكلامه يدل على أن مجرد امتزاج الماءين هو بداية تخلق الولد، سواء