اتحادهما في الحكم، فكلاهما جزء حي من الإنسان، وإذا كان كل الإنسان المحقون الدم محرمًا، بحيث لا يجوز إتلافه أو الاعتداء عليه، فكذلك أبعاضه، ومنها هذه النطفة الأمشاج، التي هي أولى مراحل خلقه، سواء تكونت داخل الرحم أو خارجه، ولو فرضنا فرضًا جدليًا بحتًا، أن هذه الخلايا الجنينية ليست كالمتكونة في داخل الرحم، وأن من العلماء من ينازع في ذلك، فالأمر فيها محتمل لحل إتلافها وإعدامها وفقًا لما يقوله بعض العلماء، كما يحتمل حرمة ذلك وفقًا لما يقوله البعض الآخر، وإذا دار الأمر بين حل وحرمة، فالأولى تغليب جانب الحرمة، أخذًا بالأحوط في مثل هذا الأمر الخطير، الذي يتعلق بجزء مهم من أجزاء الإنسان، وإعمالًا للقاعدة الفقهية: >إذا اجتمع الحلال والحرام غلب الحرام< (1) ·
ولهذا فإن الرأي الراجح هو جعل هذه الخلايا الجنينية، الناتجة من تخصيب بييضة المرأة بحيوان منوي خارج الرحم، كالجنين المتكون في الرحم، من حيث حرمة الاعتداء عليه، أو إفساده، أو إنهاء حيويته، أو إجراء التجارب عليه، أو غير ذلك، لأنّها أصل الجنين، وللجنين حرمة من حيث إنّه نفس من وجه، وإذا كان يحرم الاعتداء عليه بغير حق باتفاق الفقهاء، فإنّه يحرم الاعتداء على أصله كذلك·
ومن ثم فإن ما يفحص في هذه الحالة يصدق عليه مسمى الجنين، لأنه لو تهيأت له أسباب الحياة خارج الرحم، من تغذيه مناسبة، ومحضن مناسب، ودرجة حرارة مماثلة لدرجة حرارة الرحم، فإنه يستمر في النمو والانقسام إلى أن يتجاوز مرحلة النطفة الأمشاج (2) ، ولذا فإن حكم هذه الخلايا كحكم الجنين في الرحم لا فرق بينهما، ولهذا فإن ما أبينه بعد من حكم إجهاض الجنين الذي به تشوهات أو أمراض وراثية، أو إنهاء حيويته بأي وسيلة أخرى، يشمل هذه الخلايا الجنينية، إن كان بها جينات ممرضه أو محدثة لتشوهات، وقصد التخلص منها بسبب ذلك·
وأما الجنين الذي نقل إلى رحم المرأة، فقد سبق أن بينا الطرق التي يمكن بها الكشف عليه، لمعرفة ما إذا كان حاملًا لجين ممرض أم لا، وذكرنا ثمة أن بعض هذه الطرق لا يمكن إجراؤها إلا بعد مضي ستة عشر أسبوعًا من حدوث الحمل، كما في الكشف بالموجات فوق الصوتية، أو باستخدام منظار البطن، أو فحص