(النِّساء/166) ، وقال: (وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ) (الكهف/58) ، وروى الإمام أحمد [1] بسنده عن عائشة رضي الله عنها قالت: (الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَسِعَ سَمْعُهُ الأَصْوَاتَ) ، وروى مسلم بسنده عن أبي موسى الأشعريّ يرفعه: (حِجَابُهُ النُّورُ، لَوْ كَشَفَهُ لأَحْرَقَتْ سُبُحَاتُ وَجْهِهِ مَا انْتَهَى إِلَيْهِ بَصَرُهُ مِنْ خَلْقِهِ) ، وروى البخاريّ بسنده عن جابر مرفوعًا: (اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْتَخِيرُكَ بِعِلْمِكَ، وَأَسْتَقْدِرُكَ بِقُدْرَتِكَ) ، وروى مسلم بسنده عن أبي سعيد الخدريّ مرفوعًا: (الْعِزُّ إِزَارُهُ، وَالْكِبْرِيَاءُ رِدَاؤُهُ) ، فعلم من هذه النّصوص أنّ أسماء الربّ أعلام وأوصاف؛ إذ لو لم تكن أسماؤه دالّة على معان وأوصاف لما جاز أن يوصف بمصادرها، ويخبر بها عنه؛ فهو قادر بقدرة، عزيز بعزّة، عليم بعلم، ولولا ثبوت هذه المعاني ونظائرها، وقيامها بالربّ على الوجه اللائق بجلاله لما سمّي قويًّا، ولا عزيزًا، ولا عليمًا، ولا غير ذلك، واكتفي بما ينبئ عن الذات فقط.
2 ـ أنّ الله تعالى وصف نفسه بأحكام أسمائه، قال تعالى: (إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى) (طه/46) ، وقال: (يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ) (البقرة/255) ، وقال: (إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ) (النِّساء/116،48) ؛ فلو لم تكن أسماؤه مشتملةً على معان وصفات لم يسغ أن يخبر عنه بأفعالها؛ لأنّ ثبوت أحكام الصّفات فرع ثبوتها؛ فإذا انتفى أصل الصّفة استحال ثبوت حكمها.
3 ـ أنّ أسماء الله تعالى لو كانت أعلامًا جامدة لما ذكر في القرآن كلّ اسم مع ما يناسبه من فعل الله وأمره، ولساغ في التوسّل وقوع أسماء الغضب مقام أسماء الرّحمة، والعكس، فيقال: اللهم اغفر لي إنّك أنت العزيز القهّار، واللهم قاتل الكفرة إنّك أنت الغفور الرّحيم!
4 ـ أنّ الزّعم بأنّ أسماء الله تعالى مجرّد أعلام؛ إلحاد في أسمائه، وقد توعّد الله الملحدين في أسمائه بقوله: (وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) (الأعراف/180) ؛ والإلحاد في أسمائه يكون بجحد معانيها وتعطيلها، كما يكون بجحدها وإنكارها، أو إشراك غيره في ألفاظها، أو الانحراف في ظاهرها وحقوقها ولوازمها.
ودلالة الأسماء الحسنى على الوصفيّة لا تنافي ما تفيده من العلميّة المختصّة؛ لأنّ أوصاف الربّ مختصّة به، ولا يشركه فيها أحد، وهذا بخلاف أوصاف عباده؛ فإنها تنافي علميّتهم؛ لأنّ أوصافهم مشتركة فنافتها العلميّة المختصّة.) [2]
فائدة
أسماء الله مشتقة (غير جامدة) : أي أنها تدل على ذات ومعنى (اعلام واوصاف) ، وإذا قلنا لا يجوز الاشتقاق في الأسماء الحسنى، أي لا يصح أن نشتق الاسم من الصفة أو الفعل.
(1) قلت: رواه في المسند/ 24195 - عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَسِعَ سَمْعُهُ الْأَصْوَاتَ، لَقَدْ جَاءَتِ الْمُجَادِلَةُ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تُكَلِّمُهُ وَأَنَا فِي نَاحِيَةِ الْبَيْتِ، مَا أَسْمَعُ مَا تَقُولُ: فَأَنْزَلَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ: (قَدْ سَمِعَ اللهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا) (المجادلة/1) إِلَى آخِرِ الْآيَةِ. قال محقق المسند شعيب الأرنؤوط - عادل مرشد، وآخرون: إسناده صحيح على شرط مسلم، تميم بن سلمة من رجاله، وبقية رجاله ثقات رجال الشيخين.
(2) دلالة الأسماء الحسنى على التّنزيه/ إعداد الدكتور عيسى بن عبد الله السّعدي، كليّة التربية بالطائف / قسم الدراسات الإسلاميّة، نسخة الكترونية من المكتبة الشاملة الإصدار 3.48.