فهرس الكتاب

الصفحة 9 من 82

قال العلامة ابن القيم الجوزية رحمه الله تعالى:

فائدة جليلة أقسام ما يجرى صفةً أو خبرًا على الربِّ تبارك وتعالى

ما يجرى صفةً أو خبرًا على الربِّ تبارك وتعالى أقسامٌ:

أحدها: ما يرجع إلى نفس الذات، كقولك: ذاتٌ، وموجودٌ، وشيءٌ.

الثاني: ما يرجع إلى صفات معنوية؛ كالعليم، والقدير، والسميع.

الثالث: ما يرجع إلى أفعاله، نحو: الخالق والرزاق.

الرابع: ما يرجع إلى التنزيه المحض، ولا بد من تضمنه ثبوتًا؛ إذ لا كمال في العدم المحض؛ كالقدوس والسلام.

الخامس: ولم يذكره أكثر الناس، وهو الإسم الدالُّ على جملة أوصاف عديدة لا تختص بصفة معينة، بل هو دال على معانٍ لا على معنى مفرد، نحو: المجيد، العظيم، الصمد، فإن المجيد: من اتصف بصفات متعددة من صفات الكمال، ولفظه يدل على هذا، فإنه موضوع للسَّعة والكثرة والزيادة، فمنه: (استمجَدَ المَرخُ والعَفَارُ) [1] وأمجد الناقة علفا. ومنه: رب العرش المجيد، صفة للعرش لسعته وعظمه وشرفه.

وتأمل كيف جاء هذا الإسم مقترنا بطلب الصلاة من الله على رسوله كما علمناه صلى الله عليه وآله وسلم؛ لأنه في مقام طلب المزيد والتعرض لسعة العطاء وكثرته ودوامه، فأتى في هذا المطلوب باسم يقتضيه، كما تقول: (اغفر لي وارحمني إنك أنت الغفور الرحيم) ، ولا يحسن (إنك أنت السميع البصير) ، فهو راجع إلى المتَوَسَّل إليه بأسمائه وصفاته، وهو من أقرب الوسائل وأحبها إليه. ومنه الحديث الذي في المسند والترمذي (ألظوا بياذا الجلال والإكرام) [2] ومنه (اللهم إني أسألك بأن لك الحمد لا إله إلا أنت المنان بديع السماوات والأرض يا ذا الجلال والإكرام) [3] فهذا سؤال له وتوسل إليه وبحمده، وأنه الذي لا إله إلا هو المنان، فهو توسل إليه بأسمائه وصفاته، وما أحق ذلك بالإجابة وأعظمه موقعا عند المسؤول، وهذا باب عظيم من أبواب التوحيد أشرنا إليه إشارة، وقد فتح لمن بَصَّرَهُ الله.

ولنرجع إلى المقصود، وهو وصفه تعالى بالإسم المتضمن لصفات عديدة؛ فالعظيم من اتصف بصفات كثيرة من صفات الكمال. وكذلك الصمد، قال ابن عباس: هو السيد الذي كَمُل في سؤدده.

وقال ابن وائل: هو السيد الذي انتهى سؤدده.

وقال عكرمة: الذي ليس فوقه أحد، وكذلك قال الزجاج: الذي ينتهي إليه السؤدد فقد صمد له كل شيء. وقال ابن الأنباري: (لا خلاف بين أهل اللغة أن الصمد السيد الذي ليس فوقه أحد، الذي يصمد إليه الناس في حوائجهم وأمورهم) . واشتقاقه يدل على هذا، فإنه من الجمع والقصد فهو الذي اجتمع القصد نحوه، واجتمعت فيه صفات السؤدد، وهذا أصله في اللغة كما قال:

(1) المَرخُ والعَفَارُ: نوع من الشجر، سريع الوري، ويقال في المثل: (فِي كُلِّ شَجَرِ نَارٌ، واسْتَمْجَدَ المَرْخُ والعَفَارُ) اسْتَمْجَد: اسْتَفْضَلَ، أَي (استَكْثَرَا من النَّارِ) كأَنّهما أَخَذَا مِن النارِ مَا هُوَ حسْبُهُمَا فصَلَحَا للاقتداحِ بهما، وَيُقَال: لأَنهما يُسْرِعَانِ الوَرْيَ، فشُبِّهَا بِمن يُكثِر من العَطَاءِ طَلَبًا للمَجْدِ. وانظر غير مأمور تاج العروس من جواهر القاموس / محمّد بن محمّد بن عبد الرزّاق الحسيني، أبو الفيض، الملقّب بمرتضى، الزَّبيدي (المتوفى: 1205 هـ) ، تحقيق مجموعة من المحققين.

(2) رواه الترمذي عن أنس واحمد والنسائي والحاكم عن ربيعة بن عامر. قال الشيخ الألباني: (صحيح) وانظر غير مأمور الحديث/1250 في صحيح الجامع الصغير وزيادته.

(3) رواه أبو داود والنسائي وأحمد والبخاري في الأدب المفرد، وصححه الألباني / وانظر غير مأمور تخريج الحديث - 1342 في صحيح أبي داود، والأدب المفرد الحديث /705 - الألباني 543.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت