ويصح الاخبار بأن الله تعالى: (قَديمٌ بلا ابتدَاء) ، لأنه مشتمل على معنى صحيح. أي أنه تعالى: لم يسبقه شيء، وذلك معنى اسمه تعالى (الاول) ، وقد ورد على سبيل الاطلاق في الكتاب والسنة، قال الله تعالى: (هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ) (الحديد/3) . وروى مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ قال: (اللهم أنت الأول فليس قبلك شيء، وأنت الآخر فليس بعدك شيء، وأنت الظاهر فليس فوقك شيء، وأنت الباطن فليس دونك شيء أقض عنا الدين وأغننا من الفقر) .
أما من جهة الوصف، فوصف الله تعالى بالقدم، لا بد فيه من دليل. وكذلك تسميته سبحانه وتعالى بالقديم، لا بد فيه من دليل. كما أن إسم القديم لا يدلّ على مدحٍ كامل مطلق، ولذلك قيل: (قَديمٌ بلا ابتدَاء) . وهذا يدل على أن اسم القديم بحاجة إلى إضافة كلام حتى يُجعل حقا وحسنا ووصفا مشتملا على مدح حق.
لذا يجب أن تكون الأسماء التي تُطلق على أنها من الأسماء الحسنى؛ صفات مدح وكمال ومطلقة غير مقيدة، وأمّا ما كان مقيَّدا، والمدح فيه بحال دون حال، فإنه لا يجوز أن يطلق في أسماء الله تعالى.
القاعدة الثانية
الصفة إذا كانت منقسمة إلى كمال ونقص لم تدخل بمطلقها في أسمائه تعالى
قال العلامة ابن القيم الجوزية رحمه الله تعالى:
الثاني: أن الصفة إذا كانت منقسمة إلى كمال ونقص لم تدخل بمطلقها في أسمائه بل يطلق عليه منها كمالها وهذا كالمريد والفاعل والصانع فإن هذه الألفاظ لا تدخل في أسمائه ولهذا غلط من سماه بالصانع عند الإطلاق بل هو الفعال لما يريد فإن الإرادة والفعل والصنع منقسمة ولهذا إنما أطلق على نفسه من ذلك أكمله فعلا وخبرا. [1]
قلت:
الصفة المقيدة.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: (وأما تسميته سبحانه بأنه مريد وأنه متكلم فإن هذين الاسمين لم يردا في القرآن ولا في الأسماء الحسنى المعروفة ومعناهما حق ولكن الأسماء الحسنى المعروفة هي التي يدعى الله بها وهي التي جاءت في الكتاب والسنة وهي التي تقتضي المدح والثناء بنفسها) ?ھ. [2]
فالله سبحانه وتعالى لا يدعى إلا بأسمائه الحسنى خاصة، فلا يدعى ولا يسمى بالمريد والمتكلم، وإن كان معناهما حقًا، فإنه يوصف بأنه مريد متكلم، ولا يسمى بهما، لأنهما ليسا من الأسماء الحسنى التوقيفية، فإن صفة الإرادة عند التجرد عن الاضافة توهم نقصا فإن من الإرادة المحمودة إرادة العدل ومن الارادة المذمومة ارادة الظلم. وكذلك صفة الكلام عند التجرد عن الاضافة توهم نقصا فإن من الكلام ما هو محمود كالصدق، ومذموم كالكذب.
وقال العلامة ابن القيم الجوزية: (أن وصفه تعالى بكونه رحمانا رحيما حقيقة أولى من وصفه بالإرادة، وذلك أن من أسمائه الحسنى الرحمن الرحيم، وليس في أسمائه الحسنى المريد، والمتكلمون يقولون مريد لبيان إثبات الصفة، وإلا فليس ذلك من أسمائه الحسنى، لأن الإرادة تناول ما يحسن إرادته وما لا يحسن، فلم يوصف بالاسم المطلق منها، كما ليس في أسمائه الحسنى الفاعل ولا المتكلم، وإنما كان فعالا مريدا متكلما بالصدق والعدل، فليس الوصف بمطلق الكلام ومطلق الإرادة ومطلق الفعل يقتضي مدحا وحمدا حتى يكون ذلك متعلقا
(1) بدائع الفوائد - 1 / ص 284.
(2) شرح العقيدة الأصفهانية/شيخ الإسلام ابن تيمية، تحقيق إبراهيم سعيداي، الناشر مكتبة الرشد -الرياض، الطبعة الأولى 1415 هـ، ص 19.