قال تعالى: (إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ) (الاعراف/54) .
قوله تعالى: (أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالأمْرُ) أي: له الخلق الذي صدرت عنه جميع المخلوقات علويها وسفليها، أعيانها وأوصافها وأفعالها والأمر المتضمن للشرائع والنبوات،
فالخلق: يتضمن أحكامه الكونية القدرية،
والأمر: يتضمن أحكامه الدينية الشرعية، وثم أحكام الجزاء، وذلك يكون في دار البقاء،
(تَبَارَكَ اللَّهُ) أي: عظم وتعالى وكثر خيره وإحسانه، فتبارك في نفسه لعظمة أوصافه وكمالها، وبارك في غيره بإحلال الخير الجزيل والبر الكثير، فكل بركة في الكون، فمن آثار رحمته، ولهذا قال: فـ (تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ) .
ولما ذكر من عظمته وجلاله ما يدل ذوي الألباب على أنه وحده، المعبود المقصود في الحوائج كلها أمر بما يترتب على ذلك، فقال: (ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ ? وَلا تُفْسِدُوا فِي الأرْضِ بَعْدَ إِصْلاحِهَا وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ) (الاعراف/55 و 56) . [1]
(ان شرف الْعلم تَابع لشرف معلومه لوثوق النَّفس بأدلة وجوده وبراهينه ولشدة الْحَاجة إِلَى مَعْرفَته وَعظم النَّفْع بهَا وَلَا ريب ان اجل مَعْلُوم وأعظمه واكبره فَهُوَ الله الَّذِي لَا إِلَه إِلَّا هُوَ رب الْعَالمين وقيوم السَّمَوَات والارضين الْملك الْحق الْمُبين الْمَوْصُوف بالكمال كُله المنزه عَن كل عيب وَنقص وَعَن كل تَمْثِيل وتشبيه فِي كَمَاله وَلَا ريب ان الْعلم بِهِ وباسمائه وَصِفَاته وافعاله اجل الْعُلُوم وافضلها ونسبته إِلَى سَائِر الْعُلُوم كنسبة مَعْلُومَة إِلَى سَائِر المعلومات وكما ان الْعلم بِهِ اجل الْعُلُوم واشرفها فَهُوَ اصلها كلهَا) [2] .
وقال أبو القاسم التيمي الأصبهاني في بيان أهمية معرفة الأسماء الحُسنى: قال بعض العلماء: أول فرض فرضه اللهُ على خلقه: معرفته، فإذا عرَفه الناس عبدوه، وقال تعالى: (فَاعْلَمْ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ) (محمد /19) . فينبغي للمسلمين أن يعرفوا أسماء الله وتفسيرها، فيعظموا اللَّه حقَّ عظمته. [3]
(ومعرفة العبد ربه تتمثل في معرفته بأسمائه وصفاته وأفعاله، فلا يكون الإنسان على حقيقة من دينه إلاَّ بعد العلم بالله سبحانه وتعالى:(فَاعْلَمْ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ) (محمد/47) ، وأعلم الخلق بالله (بأسمائه وصفاته) أخشاهم لله وأتقاهم، ولذلك لا يستطيع العباد إدراك حقيقة العبودية لله، وتحقيقها قولًا وعملًا إذا لم يعرفوا صفات الله عزّ وجل.
ومن نفى أسماءه وصفاته كان أجهل الناس به، وبمقدار ما ينفي العبد من صفات الله يغلب عليه الجهل، ويقسو قلبه وتنحرف عبادته.) [4]
قال الدكتور محمد بن خليفة التميمي: (وإن العلم بأسماء الله وصفاته وأفعاله أجل العلوم وأشرفها وأعظمها، بل هو أصلها كلها، فعلى أساس العلم الصحيح بالله وبأسمائه وصفاته يقوم الإيمان الصحيح وتنبني مطالب الرسالة جميعها، فهذا التوحيد أساس الهداية والإيمان وأصل الدين الذي يقوم عليه، ولذلك فإنه لا يتصور إيمان صحيح ممن لا يعرف ربه، فهذه المعرفة لازمة لانعقاد أصل الإيمان، وهي مهمة جدًا للمؤمن لشدة حاجته إليها لسلامة قلبه وصلاح معتقده واستقامة عمله؛ وهي التي توجب للعبد التمييز بين الإيمان والكفر، والتوحيد والشرك، والإثبات والتعطيل، وتنزيه الرب عما لا يليق به، ووصفه بما هو أهله من الجلال والإكرام؛ وذلك يتم كما هو
(1) تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان /الشيخ عبد الرحمن بن ناصر بن عبد الله السعدي (المتوفى 1376 هـ) ، تحقيق عبد الرحمن بن معلا اللويحق، الناشر مؤسسة الرسالة، الطبعة الأولى 1420 هـ -2000 م، ص 291.
(2) مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة/ محمد بن أبي بكر بن أيوب بن سعد شمس الدين ابن قيم الجوزية (المتوفى 751 هـ) ، الناشر دار الكتب العلمية -بيروت،1/ 86.
(3) الحجة في المحجة/ أبو القاسم التيمي الأصبهاني، تحقيق الشيخ محمد ربيع المدخلي، دار الراية، بدون تاريخ، 1/ 122.
(4) مجلة جامعة أم القرى - العدد 20 / صفة الرضا بين الإثبات والتعطيل وأثر الإيمان بها في حياة المسلم -الدكتور سالم بن محمد القرني.