علمه، والحكيم الذي قد كمُل في حكمته، وهو الذي قد كمُل في أنواع شرفه وسؤدده، وهو الله سبحانه وتعالى. هذه صفته لا تنبغي إلا له، ليس له كفوا أحد، وليس كمثله شيء، سبحان الله الواحد القهار) هذا لفظه.
وهذا مما خَفي على كثير ممن تعاطى الكلام في تفسير الأسماء الحسنى، ففسر الإسم بدون معناه، ونقصه من حيث لا يعلم، فمن لم يُحِط بهذا علما بَخَس الإسم الأعظم حقه وهضمه معناه، فتدبره. [1]
قلت: تقدم ذكر هذه القاعدة في أقسام ما يجري صفة أو خبرا عن الرب تبارك وتعالى.
وهذا مثال لمزيد من البيان.
مثال:
اسم الله تعالى (السيد) جل جلاله.
إذا أطلق اسم السيد على الله تعالى فهو بمعنى المالك والمولى والرب.
ومعناه: المحتاج إليه على الإطلاق.
فالسؤدد كله حقيقة لله، والخلق كلهم عبيده، إذ إن الله تعالى هو المالك لعبيده، فنواصيهم بيديه، المتولي أمرهم، القائم على كل نفس بما كسبت، فما من معنى من معاني السيادة إلا ولله تعالى أكمله.
ومن آثار هذا الاسم
1 -إثبات السيادة لله تعالى من جميع الوجوه.
2 -وجوب إفراده جل وعلا بالربوبية، إذ هو رب كل شيء ومليكه، وخالقه ومدبره، وكل شيء راجع إليه.
3 -وجوب إفراده جل وعلا بالعبادة، فإنه إذا كان سيد كل شيء وربه ومليكه وخالقه ورازقه، وكل شيء تحت تصرفه وتقديره، فإنه يمتنع حينئذ أن يعبد غيره، أو يسأل غيره، أو يرجى غيره، أو يتوكل على غيره قال تعالى: (لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْض) (الزمر/63) .
4 -وجوب إفراده جل وعلا بالأسماء الحسنى والصفات العلى، كما قال تعالى: (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِير) (الشورى/11) ، وكما قال تعالى: (وَلِلَّهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُون َ) (الأعراف/180) ، وقال تعالى: (اللَّهُ لا إِلَهَ إِلاّ هُوَ لَهُ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى) (طه/8) وقال تعالى: (وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الأَعْلَى وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيم) (النحل/60) ، وقال تعالى: (رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا) (مريم/65) .
5 -وجوب جعل شرعه هو الحاكم والسيد على كل أمر، فالحكم لله تعالى وحده، فالأمر أمره، والنهي نهيه، وأما التحاكم إلى غيره، فهو قدح في هذه السيادة.
فمن جعل غير شرع الله حاكما يتحاكم إليه، فقد اتخذ سيدا غير الله، فالذين يجعلون العقول حاكمة على شرع الله تعالى ما قدروا هذه السيادة حق قدرها، والذين يتحاكمون إلى القوانين الوضعية الشيطانية، أعطوا هذه القوانين السيادة، والذين يقدمون آراء الرجال، ويقلدون الآباء والشيوخ والأحبار والرهبان، ما جعلوا الله تعالى سيدا، وإنما جعلوا السيادة للمتبوعين.
قال تعالى مخبرا عن أهل النار: (وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلا) (الأحزاب/67) .
قال تعالى: (اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ) (التوبة/31) .
وقال تعالى: (أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ الله) (الشورى/21) .
وقال تعالى: (أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ) (المائدة/50) .
إلى غير ذلك من الآثار الجليلة التي دل عليها هذا الاسم. [2]
(1) بدائع الفوائد -1/ 296 - 297.
(2) باختصار من المقال: (بحث عقدي في لفظ السيد) / يوسف بن محمد السعيد، المنشور في مجلة الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة، العدد/112، السنة السادسة والثلاثون، 1424 هـ/2004 م.